الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3043 ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى فيما احتجوا به لقولهم من قول رسول الله - عليه السلام - : "ولم ينس حق الله فيها " أنه قد يجوز أن يكون ذلك حقا سوى الزكاة ، فإنه قد روي عن رسول الله - عليه السلام - ما حدثنا ربيع المؤذن ، قال : ثنا أسد ، قال : ثنا شريك بن عبد الله ، عن أبي حمزة ، عن عامر ، عن فاطمة بنت قيس ، عن النبي - عليه السلام - ، قال : " في المال حق سوى الزكاة ، وتلا هذه الآية : ليس البر أن تولوا وجوهكم إلى آخر الآية " .

                                                فلما رأينا المال قد جعل فيه حق سوى الزكاة ، احتمل أن يكون ذلك الحق الذي ذكره رسول الله - عليه السلام - في الخيل هو ذلك الحق أيضا .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي : وكان من الدليل والبرهان للآخرين على أهل المقالة الأولى في احتجاجهم لوجوب الزكاة في الخيل من قوله - عليه السلام - : "ولم ينس حق الله فيها " ، أنه قد يجوز أن يكون المراد منه حقا سوى الزكاة ; فإنه ورد في الحديث : " أن في المال حقا سوى الزكاة " . وهو ما أخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي ، عن أسد بن موسى ، عن شريك بن عبد الله ، عن أبي حمزة ميمون الأعور ، قال الترمذي : يضعف . عن عامر الشعبي ، عن فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية أخت الضحاك بن قيس ، لها صحبة .

                                                [ ص: 85 ] وأخرجه الدارقطني في "سننه " : ثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، نا بشر ابن الوليد ، ثنا شريك ، عن أبي حمزة ، عن عامر ، عن فاطمة بنت قيس قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إن في المال حقا سوى الزكاة ، ثم تلا هذه الآية ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق الآية " .

                                                وأخرجه الترمذي أيضا نحوه وقال : هذا حديث إسناده ليس بذاك .

                                                قالوا : إذا كان في المال حق سوى الزكاة احتمل أن يكون ذلك الحق الذي ذكره عليه السلام في الخيل هو ذلك الحق دون الزكاة ، ثم اختلفوا في ذلك الحق الذي هو خلاف الزكاة .

                                                فقال قوم : هو إطراق فحلها وإفقار ظهرها والحمل عليها في سبيل الله ، وقد بين ذلك حديث جابر - رضي الله عنه - على ما يأتي عن قريب .

                                                وقال آخرون : هو حسن ملكتها وتعهد شبعها والإحسان إليها وركوبها غير مشقوق عليها .

                                                وقال ابن حزم : وأما الحديث فليس فيه إلا أن لله حقا في رقابها وظهورها غير معين ، ولا مبين للمقدار ، ولا مدخل للزكاة في ظهور الخيل بإجماع منا ومنهم ، فصح أن هذا الحق إنما هو على ظاهر الحديث ، وهو حمل على ما طابت به نفسه منها في سبيل الله ، وعارية ظهورها للمضطر .

                                                وقال ابن الجوزي في "التحقيق " : والجواب عن هذا الحديث من وجهين :

                                                الأول : أن حقها إعارتها وحمل المنقطعين عليها ، فيكون ذلك على وجه الندب .

                                                [ ص: 86 ] والثاني : أن يكون واجبا ثم نسخ بدليل قوله : قد عفوت لكم ، عن صدقة الخيل ; إذ العفو لا يكون إلا عن شيء لازم .

                                                قلت : فلأبي حنيفة أن يقول : المراد به صدقة خيل الغزاة وكلامنا في الخيول السائمة ، وأيضا فالذي يكون على وجه الندب لا يطلق عليه حق .

                                                وأما دعوى النسخ فبعيدة ; لأنه لو كان لاشتهر في زمن الصحابة - رضي الله عنهم - ، ولما قرر عمر - رضي الله عنه - الصدقة في الخيل ، وأن عثمان - رضي الله عنه - ما كان يصدقها .

                                                وروى عبد الرزاق : عن ابن جريج ، أخبرني ابن أبي حسين ، أن ابن شهاب أخبره : "أن عثمان - رضي الله عنه - كان يصدق الخيل " .




                                                الخدمات العلمية