الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3264 3265 ص: واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم أيضا بما حدثنا ابن مرزوق ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا سفيان ، عن إسماعيل بن أمية ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : "لم يصم رسول الله - عليه السلام - ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي - رضي الله عنهم - يوم عرفة " .

                                                [ ص: 381 ] قيل لهم : هذا أيضا عندنا على الصيام يوم عرفة بالموقف ، وقد بين ذلك ابن عمر في غير هذا الحديث .

                                                حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا روح بن عبادة وأبو داود ، قالا : ثنا شعبة ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن أبيه ، عن رجل : "أن رجلا سأل ابن عمر عن صوم يوم عرفة بالموقف ، فقال : خرجنا مع رسول الله - عليه السلام - فلم يصمه ، ومع أبي بكر فلم يصمه ، ومع عمر فلم يصمه ومع عثمان فلم يصمه ، وأنا لا أصومه ، ولا آمرك ، ولا أنهاك ، فإن شئت فصم ، وإن شئت فلا تصمه " .

                                                فبين هذا الحديث أن ما روى نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - هو على الصوم بالموقف .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي : احتج أهل المقالة الأولى لما ذهبوا إليه من ترك صوم يوم عرفة بحديث عبد الله بن عمر ; فإنه لما سئل عن ذلك قال : "لم يصم رسول الله - عليه السلام - . . . " إلى آخره .

                                                وأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق ، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود شيخ البخاري ، عن سفيان الثوري ، عن إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المكي روى له الجماعة ، عن نافع . . إلى آخره .

                                                وأخرجه ابن حزم في "المحلى " : من طريق مؤمل ، عن الثوري ، عن إسماعيل بن أمية . . . إلى آخره نحوه ، وصححه .

                                                قوله : "قيل لهم . . . إلى آخره " جواب عن ذلك ، أي : قيل لهؤلاء : هذا أيضا محمول عندنا على الصوم يوم عرفة بالموقف كما قلنا ; ليتقووا بذلك على ما هم بسبيله من الوقوف والدعاء والسعي في أعمال الحج ، وقد بين ذلك المعنى عبد الله بن عمر حيث أجاب لما سأله السائل عن صوم يوم عرفة بقوله : "خرجنا مع رسول الله - عليه السلام - فلم يصمه . . . " إلى آخره .

                                                فبين في هذا أن ما رواه نافع عنه هو محمول على الصوم بالموقف " .

                                                [ ص: 382 ] وأخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن روح بن عبادة وأبي داود سليمان بن داود الطيالسي ، كلاهما عن شعبة ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن أبيه أبي نجيح واسمه يسار الثقفي المكي .

                                                عن رجل وهو مجهول : "أن رجلا . . . إلى آخره " .

                                                وأخرجه الترمذي نحوه معلقا ، وقال : قد روي هذا الحديث عن ابن أبي نجيح ، عن أبيه ، عن رجل ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - .

                                                وأخرجه أيضا وليس فيه مجهول : ثنا أحمد بن منيع وعلي بن حجر ، قالا : ثنا سفيان بن عيينة وإسماعيل بن إبراهيم ، عن ابن أبي نجيح ، عن أبيه قال : "سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة بعرفة قال : "حججت مع النبي - عليه السلام - فلم يصمه ، ومع أبي بكر فلم يصمه ، ومع عمر فلم يصمه ، ومع عثمان فلم يصمه ، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه " .

                                                قال أبو عيسى : هذا حديث حسن .

                                                وقال ابن حزم في "المحلى " : أما أن، رسول الله - عليه السلام - فلم يصمه فلا حجة لهم في ذلك ; لأنه - عليه السلام - قد حض على صيامه أعظم حض ، وأخبر أنه يكفر ذنوب سنتين ، وما علينا أن ننتظر بعد هذا أيصومه - عليه السلام - أم لا ؟ فقد حدثنا أبو يوسف بن عبد الله ، قال : ثنا أحمد بن محمد بن الجسور ، قال : نا قاسم بن أصبغ ، نا مطرف بن قيس ، نا يحيى بن بكير ، نا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : " إن كان رسول الله - عليه السلام - ليترك العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم " .

                                                وأما ترك أبي بكر وعمر وابن عمر وابن عباس صيامه فقد صامه غيرهم كما روينا من طريق عبد الرحمن بن مهدي ، عن سهل بن أبي الصلت ، عن الحسن البصري :

                                                [ ص: 383 ] "أنه سئل عن صوم يوم عرفة ، فقال : صامه عثمان بن عفان في يوم حار يظلل عليه " .

                                                ومن طريق حماد بن سلمة ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق : " أن عائشة أم المؤمنين كانت تصوم يوم عرفة في الحج .

                                                ومن طريق هشام بن عروة : "أن عبد الله بن الزبير كان يدعو عشية عرفة إذا أفاض الناس بماء ثم يفيض " .




                                                الخدمات العلمية