الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الرطب بالتمر

جزء التالي صفحة
السابق

5490 5491 ص: فاعتبرنا هذا الحديث الذي احتج به عليهم مخالفهم، هل دخله شيء؟ فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا يحيى بن صالح الوحاظي ، قال: ثنا معاوية بن سلام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن يزيد ، أن زيدا أبا عياش ، أخبره، عن سعد بن أبي وقاص: " أن رسول الله -عليه السلام- نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة". .

فكان هذا هو أصل هذا الحديث، فيه ذكر النسيئة، ، زاده يحيى بن أبي كثير على مالك بن أنس، ، فهو أولى، وقد روي هذا الحديث أيضا عن غير عبد الله بن يزيد ، على مثل ما رواه يحيى بن أبي كثير أيضا.

حدثنا يونس ، قال: أنا ابن وهب ، قال: أنا عمرو بن الحارث ، عن بكير بن عبد الله، حدثه عن عمران بن أبي أنيس، أن مولى بني مخزوم: "حدثه أنه سأل سعد بن أبي وقاص ، عن الرجل يسلف الرجل الرطب بالتمر إلى أجل، فقال سعد: : نهانا رسول الله -عليه السلام- عن هذا". .

فهذا عمران بن أبي أنيس وهو رجل متقدم معروف قد روى هذا الحديث كما رواه يحيى، . فكان ينبغي في تصحيح معاني الآثار أن يكون حديث عبد الله بن يزيد لما اختلف عنه فيه أن يرتفع ويثبت حديث عمران هذا، فيكون النهي الذي جاء في حديث سعد هذا إنما هو لعلة النسيئة لا غير ذلك؛ فهذا سبيل هذا الباب من طريق تصحيح الآثار.

[ ص: 361 ]

التالي السابق


[ ص: 361 ] ش: هذه إشارة إلى الجواب عن الحديث المذكور الذي احتج به أهل المقالة الأولى، بيان ذلك أن حديث سعد بن أبي وقاص الذي رواه مالك عن عبد الله بن يزيد، فيه زيادة ذكرها غير مالك بن أنس عن عبد الله بن يزيد وهي لفظة: "نسيئة"، رواها يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن يزيد ، عن أبي عياش ، عن سعد بن أبي وقاص: "أن رسول الله -عليه السلام- نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة".

أخرجه الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن يحيى بن صالح الوحاظي الشامي الدمشقي -ويقال: الحمصي- أحد أصحاب أبي حنيفة، وشيخ البخاري .

عن معاوية بن سلام الحبشي الأسود روى له الجماعة.

عن يحيى بن أبي كثير الطائي، روى له الجماعة.

وأخرجه أبو داود : عن الربيع بن نافع ، عن معاوية بن سلام ... إلى آخره نحوه.

والأخذ بهذه الزيادة أولى ولا سيما إذا كانت من ثقة، ويحيى بن أبي كثير ثقة حجة ثبت.

وقد روى هذا الحديث أيضا عن غير عبد الله بن يزيد بهذه الزيادة، مثل رواية يحيى بن أبي كثير، وهو عمران بن أبي أنيس، أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم ، عن عبد الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث المصري ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج -والكل رجال الصحيح- عن عمران بن أبي أنيس إلى آخره.

وأخرجه البيهقي في "سننه" : من حديث مخرمة بن بكير ، عن أبيه، عن عمران بن أبي أنيس، سمعت أبا عياش يقول: "سألت سعدا عن شراء السلت [ ص: 362 ] بالتمر، فقال سعد أبينهما فضل؟ قالوا: نعم. قال: لا يصلح، وقال: وسئل رسول الله -عليه السلام- عن اشتراء الرطب بالتمر، فقال: أبينهما فضل؟ قالوا: نعم، الرطب ينقص. فقال: لا يصلح".

فإذا كان الأمر كذلك؛ كان ينبغي في تصحيح معاني الآثار أن يكون حديث عمران بن أبي أنيس أولى بالعمل؛ لكونه لم يختلف فيه، بخلاف حديث عبد الله بن يزيد فإنه ينبغي أن يترك ولا يعمل به؛ لكونه قد اختلف فيه عن عبد الله بن يزيد على ما ذكرنا من أن مالكا روى عنه بدون هذه الزيادة، ويحيى بن أبي كثير روى عنه بهذه الزيادة، فحصل الاختلاف، فالذي اتفق فيه أولى من الذي اختلف فيه، فحينئذ يكون النهي الذي جاء في حديث سعد إنما كان لأجل علة النسيئة لا غير ذلك، فإذا كان كذلك يجوز بيع الرطب بالتمر إذا كان يدا بيد فلا يبقى فيه حجة لأهل المقالة الأولى.

فإن قيل: كيف تكون رواية عمران أولى من رواية غيره، وفيها مجهول.

قلت: لا نسلم أنه مجهول بل هو زيد أبو عياش المذكور في رواية مالك ويحيى بن أبي كثير، على أن البيهقي قد صرح به في روايته في حديث عمران على ما ذكرنا الآن، ولئن سلمنا أن يكون هذا غير أبي عياش، ففي رواية مالك أبو عياش، وقد قيل فيه: إنه مجهول كما ذكرنا، فتساويا، ويترجح خبر عمران أيضا لأجل الزيادة المذكورة.

فإن قيل: أيا ما كان لا يتم به الاستدلال لأهل المقالة الثانية كما لا يتم لأهل المقالة الأولى.

قلت: لا نسلم بل يتم لأهل المقالة الثانية؛ لأنه يؤيد استدلالهم بهذا حديث عبادة بن الصامت الصحيح بالاتفاق، فإنه ذكر فيه جواز بيع التمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد، واسم التمر يقع على الرطب أيضا، لأن اسم ثمر النخل لغة، فيدخل فيه الرطب واليابس والمذنب والبسر والمتقع، وروي أن عامل خيبر [ ص: 363 ] أهدى إلى رسول الله -عليه السلام- تمرا جنيبا فقال -عليه السلام-: أوكل تمر خيبر هكذا؟ وكان أهدى إليه رطبا، أطلق اسم التمر على الرطب، وقد احتج الكاساني لأبي حنيفة بهذا الطريق، ثم قال: وأما الحديث، وأراد به حديث سعد المذكور فمداره على زيد أبي عياش، وهو ضعيف عند النقلة، فلا يقبل في معارضة السنة المشهورة؛ ولهذا لم يقبله أبو حنيفة في المناظرة في معارضة الحديث المشهور مع أنه كان من صيارفة الحديث، وكان من مذهبه تقديم الخبر وإن كان في حد الآحاد على القياس، بعد أن كان راويه عدلا ظاهر العدالة، أو تأوله على بيع الرطب بالتمر نسيئة، أو تمرا من مال اليتيم توفيقا بين الدلائل؛ صيانة عن التناقض، والله أعلم.

فإن قيل: أخرج البيهقي في "سننه" حديث سعد من طريق يحيى بن أبي كثير بالزيادة المذكورة ثم قال: قال الدارقطني: خالفه مالك وإسماعيل بن أمية والضحاك بن عثمان وأسامة بن زيد، رووه عن ابن يزيد وما قالوا فيه: "نسيئة".

قلت: قد علمت أن عمران بن أبي أنيس قد تابع يحيى في ذلك وتوافقا في الزيادة المذكورة، ولا تضر مخالفتهما هؤلاء القوم؛ لأنهما إمامان جليلان حجتان، ومالك قد اختلف عليه كما ذكرنا، واختلف أيضا على إسماعيل بن أمية، وروي عنه نحو رواية مالك، ذكره "البيهقي" من حديث الثوري ، عن إسماعيل بن أمية ، عن عبد الله بن يزيد ، عن زيد أبي عياش ، عن سعد: "سئل النبي -عليه السلام- عن الرطب بالتمر، قال: أينقص إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عنه". تابعه ابن عيينة ، عن إسماعيل. وروى الطحاوي أيضا في "مشكل الآثار" الحديث عن المزني ، عن الشافعي ، عن ابن عيينة ، عن إسماعيل ، عن عبد الله بن يزيد ، عن أبي عياش الزرقي ، عن سعد ... الحديث.

[ ص: 364 ] قال الطحاوي: وهذا محال، أبو عياش الزرقي صحابي جليل.

وليس في سن عبد الله بن يزيد لقاء مثله.

واختلف أيضا على أسامة بن يزيد، فرواه عنه ابن وهب نحو رواية مالك، ورواه الليث عن أسامة وغيره، عن عبد الله بن يزيد ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن بعض أصحاب النبي -عليه السلام-، وذكره الطحاوي في "مشكل الحديث" وابن عبد البر، وفي أطراف المزني رواه زياد بن أيوب ، عن علي بن غراب ، عن أسامة بن يزيد ، عن عبد الله بن يزيد ، عن أبي عياش ، عن سعد موقوفا.

ولم يذكر الدارقطني ولا غيره فيما علمنا سند رواية الضحاك بن عثمان لننظر فيه، ولئن سلم حديث هؤلاء من الاختلاف كان حديث يحيى بن أبي كثير أولى بالقبول من حديثهم؛ لأنه زاد عليهم، وهو إمام جليل، وزيادة الثقة مقبولة، كيف وفي رواية عمران بن أبي أنيس المذكورة ما يقوي حديثه ويبين أنه لم ينفرد به فظهر من هذا كله أن الحديث قد اضطرب اضطرابا شديدا في سنده ومتنه، وزيد مع الاختلاف فيه هو مجهول لا يعرف كما قال ابن حزم وغيره.

وأخرج صاحب "المستدرك" هذا الحديث من طرق، منها رواية يحيى، ثم صححه، ثم قال: لم يخرجه الشيخان لما خشيا من جهالة زيد.

وقال الطبري في "التهذيب": الخبر معلول بانفراد زيد به؛ لأنه غير معروف في نقلة العلم، والله أعلم.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث