الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4649 ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: أنا الأوزاعي ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تجاوز الله لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".

                                                التالي السابق


                                                ش: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا ربيعا .

                                                والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو ، وعطاء هو ابن أبي رباح .

                                                وأخرجه الدارقطني : عن أبي بكر النيسابوري وابن صاعد، ثنا الربيع بن سليمان ... إلى آخره نحوه سواء.

                                                وأخرجه ابن ماجه : ثنا محمد بن المصفى الحمصي، ثنا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن النبي -عليه السلام- قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".

                                                فهذا كما ترى أسقط عبيد بن عمير في روايته.

                                                ورواه ابن حزم من طريق الربيع وصححه، وقال النووي في الأربعين: هو حديث حسن. وقال عبد الله بن أحمد : ذكرت حديث ابن المصفى الحمصي لأبي، فأنكره جدا، وقال: هذا يروى من غير هذا الوجه بإسناد جيد أصلح من هذا.

                                                قلت: أشار بجودة الإسناد إلى الوجه الذي أخرجه الطحاوي والدارقطني، وأما الذي أنكره فهو الوجه الذي أخرجه ابن ماجه . قوله: "تجاوز الله" أي عفا الله، من جازه يجوزه إذا تعداه وعبر عليه.

                                                [ ص: 263 ] قوله: "لي" أي لأجلي، وذلك لأنه لم يتجاوز ذلك إلا عن هذه الأمة؛ لأجل سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.

                                                قوله: "الخطأ والنسيان" منصوبان بقوله: "تجاوز" وفيه حذف، أي: تجاوز حكمهما لأن عينهما لم ترفع، ثم الخطأ في اللغة هو ضد العمد، والنسيان ضد الذكر والحفظ، وفي الاصطلاح: الخطأ هو الفعل من غير قصد تام، والنسيان معنى يزول به العلم في الشيء مع كونه ذاكرا لأمور كثيرة، وإنما قيل ذلك احترازا عن النوم والجنون والإغماء.

                                                وقيل: النسيان عبارة عن معنى يعتري الإنسان بدون اختياره، فيوجب الغفلة عن الحفظ.

                                                وقيل: النسيان عبارة عن الجهل الطارئ، ويقال: المأتي به إن كان على جهة ما ينبغي فهو الصواب، وإن كان لا على ما ينبغي نظر، فإن كان مع قصد من الآتي به يسمى الغلط، وإن كان من غير قصد منه فإن كان يتنبه بأيسر تنبيه يسمى السهو وإلا يسمى الخطأ.

                                                قوله: "وما استكرهوا عليه" عطف على ما قبله في محل النصب وهو على صيغة المجهول من الاستكراه، والإكراه حمل الغير على أمر لا يريد مباشرته.

                                                ويستفاد منه أحكام:

                                                الأول: حكم الخطأ مرفوع، لكن في حق الله تعالى لا في حقوق العباد؛ لأن في حقه عذرا صالحا لسقوطه، حتى قيل: إن الخاطئ لا يأثم ولا يؤاخذ بحد ولا قصاص، وأما في حقوق العباد فلم يجعل عذرا، حتى وجب ضمان العدوان على الخاطئ لأنه ضمان مال لا جزاء فعل، ووجبت به الدية وصح طلاقه عندنا، وقال الشافعي: لا يصح؛ لعدم الاختيار منه فصار كالنائم والمغمى عليه.

                                                قلنا: الاختيار أمر باطن لا يوقف عليه إلا بحرج، فلا يصح تعليق الحكم عليه.

                                                الثاني: أن حكم النسيان مرفوع، ولكنه لا ينافي الوجوب، ولا يصلح عذرا في سقوط شيء من الواجبات؛ لأنه لا يزول به العقل فلا يخل بالأهلية، لكنه لما كان [ ص: 264 ] من جهة صاحب الشرع يكون عذرا في حقه فيما يقع فيه غالبا لا في حق العباد، وهو إما أن يقع فيه المرء بتقصيره كالأكل في الصلاة والجماع في الإحرام والاعتكاف، فإن حالها يذكره.

                                                وإما لا يقع بتقصيره إما بأن يدعو إليه الطبع كالأكل في الصوم فإن الغالب فيه ميل الطبع لأنه وقت أكل وشرب في عامة الأوقات، فيغلبه النسيان، أو بمجرد أنه مركوز في الإنسان كما في الذبيحة فإن الذبح حالة خوف وإزهاق روح فتكثر الغفلة والنسيان عن التسمية في تلك الحالة، والأول ليس بعذر بخلاف الأخيرين.

                                                الثالث: فيه أن الله تجاوز عما استكرهوا عليه، والإكراه لا ينافي الوجوب، ولا أهلية الأداء؛ لأن الأهلية ثابتة بالذمة والبلوغ والعقل وهي قائمة سواء كان إكراها كاملا أو إكراها قاصرا، ولكن المكره متردد في الإتيان بالإكراه عليه بين فرض عليه: كما لو أكره على شرب الخمر بالقتل فإنه يفرض عليه الإقدام، وحرام عليه: كما لو أكره على قتل مسلم ظلما فإنه يحرم عليه الإقدام، وإباحة: كما لو أكره على الإفطار في رمضان فإنه يباح له ذلك، ورخصة: كما لو أكره على إجراء كلمة الكفر، فإنه يرخص له ذلك، وتارة يأثم المكره في الإكراه بالإقدام على الفعل كما في قتل النفس ظلما، وتارة يؤجر كما في شرب الخمر، وتحقيق هذه الأشياء -من الفرضية والحرمة والإباحة والإثم والأجر- دليل ثبوت الخطاب في حقه، فإذا كان كذلك فلا يصلح الإكراه لإبطال شيء من الأقوال كالطلاق والعتاق والبيع، والأفعال كالقتل والزنا وإتلاف مال الغير.




                                                الخدمات العلمية