الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4491 ص: فكان من الحجة للآخرين عليهم أن هذا الحديث قد روي عن ابن عمر كما ذكروا، وقد روي عنه ما هو أتم من ذلك، فروي عنه: "أن رسول الله -عليه السلام- أمر عمر -رضي الله عنه- أن يأمره أن يراجعها ثم يمهلها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم ليطلقها إن شاء، وقال: تلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". وقد ذكرنا ذلك بإسناده في الباب الذي قبل هذا الباب؛ فلما نهاه رسول الله -عليه السلام- عن إيقاع الطلاق في الطهر الذي بعد الحيضة التي طلق فيها، حتى يكون طهر وحيضة أخرى [ ص: 71 ] بعدها، ثبت بذلك أنه لو كان أراد بقوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" الأطهار إذا لجعل له أن يطلقها بعد طهرها في هذه الحيضة ولا ينتظر ما بعدها؛ لأن ذلك طهر، فلما لم يبح له الطلاق في ذلك الطهر حتى يكون طهرا آخر بينه وبين ذلك الطهر حيضة؛ ثبت بذلك أن تلك العدة التي أمر الله -عز وجل- أن تطلق لها النساء إنما هي وقت ما تطلق النساء، وليس لأنها عدة تطلق لها النساء، يجب بذلك أن تكون هي العدة التي تعتد بها النساء، لأن العدد مختلفة، منها: عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، ومنها: عدة المطلقة ثلاثة قروء، ومنها: عدة الحامل أن تضع حملها، فكانت العدة اسما واحدا لمعان مختلفة، ولم يكن كل ما لزمه اسم عدة وجب أن يكون قرءا، فكذلك لما لزم اسم الوقت التي تطلق فيه النساء اسم عدة، لم يثبت له بذلك اسم القرء، فهذه معارضة صحيحة.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي فكان من الحجة والبرهان للجماعة الأخرى وهم الذين قالوا: إن الأقراء: الحيض. عليهم -أي على الذين ذهبوا إلى أنها الأطهار- وأراد بها الجواب عما احتجوا به من حديث ابن عمر على سبيل المعارضة.

                                                وهي لغة عبارة عن المقابلة على سبيل الممانعة والمرافعة.

                                                واصطلاحا عبارة عن تسليم الدليل مع المنع في المدلول بدليل آخر، وهذا الاعتراض صحيح عند جمهور المحققين من الفقهاء والمتكلمين؛ فلذلك أشار إليه بقوله: فهذه معارضة صحيحة، بيان ذلك أن من قال: إن الأقراء هي الحيض، قالوا لمن قال: إنها الأطهار: ما ذكرتم من الدليل وإن دل على ما ذكرتم من المدلول، ولكن عندنا من الدليل على خلافه، ثم بين ذلك بقوله: فلما نهاه رسول الله -عليه السلام- عن إيقاع الطلاق ... إلى آخره، فهذه معارضة صحيحة؛ لأنها لا تتضمن إبطال تعليل الخصم المستدل، وإنما هي بيان دليل آخر يوجب خلاف ما أوجبه دليل المستدل من غير تعرض لإبطال دليله، بخلاف المعارضة التي فيها المناقضة؛ فإنها متضمنة لإبطال تعليل المستدل. فافهم.

                                                [ ص: 72 ] قوله: "فلما نهاه رسول الله -عليه السلام-" أي فلما نهى ابن عمر رسول الله -عليه السلام-.

                                                قوله: "الأطهار" بالنصب مفعول لقوله: "لو كان أراد".

                                                قوله: إذا" أي حينئذ.

                                                قوله: "ولا ينتظر" بالنصب عطفا على قوله: أن يطلقها.

                                                قوله: "إنما هي وقت ما تطلق النساء" أي إنما هي وقت تطليق النساء، وكلمة "ما" مصدرية.

                                                قوله: "لأن العدد" بكسر العين جمع عدة.

                                                قوله: "فكانت العدة اسما واحدا لمعان مختلفة" أراد به أنها لفظ مشترك بين معان مختلفة.

                                                قوله: "ولم يكن كل ما لزمه اسم عدة" يعني لا يلزم من إطلاق اسم عدة على شيء أن يكون ذلك الشيء قرءا، فكذلك لا يلزم من إطلاق اسم العدة على الوقت الذي تطلق فيه النساء أن يطلق عليه اسم القرء؛ لامتناع الملازمة. فافهم.




                                                الخدمات العلمية