الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5588 [ ص: 488 ] ص: وقد قال قوم أن النهي الذي كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها لم يكن منه تحريم ذلك، ولكنه على المشورة منه عليهم، لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه، ورووا ذلك عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه-:

                                                حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبو زرعة وهب الله ، عن يونس بن يزيد، قال: قال أبو الزناد: كان عروة بن الزبير يحدث، عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري أنه أخبره، أن زيد بن ثابت كان يقول: كان الناس في عهد رسول الله -عليه السلام- يتبايعون الثمار، فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر العفن والرمان وأصابه مراق".

                                                قال أبو جعفر -رحمه الله-: الصواب هو مراق وأصابه قشام ، عاهات يحتجون بها، والقشاب شيء يصيبه حتى لا يرطب، قال: فقال رسول الله -عليه السلام- لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: فلا تبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر؛ كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم.

                                                فدل ما ذكرنا أن ما روينا في أول هذا الباب عن رسول الله -عليه السلام- من نهيه -عليه السلام- عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها إنما كان على هذا المعنى لا على ما سواه.

                                                التالي السابق


                                                ش: أشار بهذا الجواب الآخر عن الأحاديث التي فيها النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، التي احتجت بها أهل المقالة الأولى، وهو أن قوما من العلماء قالوا: إن النهي الذي صدر من النبي -عليه السلام- عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها؛ لم يكن ذلك على التحريم ولكنه على التشاور فيما بينهم؛ لأجل ما كانوا يختصمون إليه في كل وقت في ذلك، والدليل على ذلك ما قاله زيد بن ثابت -رضي الله عنه- في الحديث المذكور، فإنه يدل على أن نهيه -عليه السلام- عن ذلك كان على التشاور فيما بينهم؛ لقطع اختصامهم حين كثر ذلك عنده -عليه السلام-.

                                                وأخرجه بإسناد صحيح، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري شيخ النسائي وأبي بكر بن خزيمة، قال النسائي: ثقة. وعنه: صدوق، وعن أبي زرعة وهب الله بن راشد الحجري المؤذن، غمزه سعيد بن أبي مريم .

                                                [ ص: 489 ] عن يونس بن يزيد الأيلي روى له الجماعة، عن أبي الزناد بالنون عبد الله بن ذكوان المدني روى له الجماعة، عن عروة بن الزبير بن العوام ، عن سهل بن أبي حثمة واسمه عبد الله، أبو محمد المدني، صاحب النبي -عليه السلام- قال الواقدي: مات النبي -عليه السلام- وهو ابن ثماني سنين، وقد حفظ عنه.

                                                عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه-.

                                                وأخرجه البيهقي في "سننه" نحوه من حديث وهب الله بن راشد ، عن يونس بن يزيد قال: قال أبو الزناد: كان عروة بن الزبير يحدث، عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره، أن زيد بن ثابت كان يقول: "كان الناس في عهد رسول الله -عليه السلام- يتبايعون الثمار، فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم. قال المبتاع: إنه أصاب الثمر العفن الدمان، أصابه مراق، أصابه قشام؛ عاهات يحتجون بها -والقشام شيء يصيبه حتى لا يرطب- قال: فقال رسول الله -عليه السلام- لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: فأما لا، فلا تبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر، كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم"، قال أبو الزناد: وأخبرني خارجة بن زيد: "أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أمواله حتى تطلع الثريا فيتبين الأحمر من الأصفر".

                                                وأخرجه أبو داود : ثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا عنبسة بن خالد، قال: حدثني يونس، قال: سألت أبا الزناد ، عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، وما ذكر في ذلك. فقال: كان عروة بن الزبير يحدث، عن سهل بن أبي حثمة ، عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: "كان الناس يتبايعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم، قال المبتاع: قد أصاب الثمر الدمان، وأصابه قشام، وأصابه مراض؛ عاهات يحتجون بها، فلما كثرت خصومتهم عند النبي -عليه السلام- قال رسول الله -عليه السلام- كالمشورة يشير بها: فأما لا فلا تبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحها؛ لكثرة خصومتهم واختلافهم".

                                                [ ص: 490 ] وأخرجه البخاري أيضا ولكن غير موصول، وأخرجه عن الليث معلقا.

                                                قوله: "في عهد رسول الله -عليه السلام-" أي في زمنه وأيامه.

                                                قوله: "فإذا جد الناس" أي فإذا قطع الناس ثمارهم.

                                                قوله: "العفن" بالرفع فاعل لقوله: "أصاب الثمر" والثمر مفعوله. والعفن بفتح العين والفاء: الفساد، والعفن -بفتح العين وكسر الفاء- من الصفات المشبهة، يقال: شيء عفن إذا كان بين العفونة، وعفن الحبل -بالكسر- عفنا إذا بلي من الماء.

                                                قوله: "والدمان" بفتح الدال المهملة وتخفيف الميم وفي آخره نون، وهو فساد الثمر قبل إدراكه حتى يسود، من الدمن وهو السرقي، ويقال: "الدمال" باللام موضع النون، وقد قيد الجوهري وغيره "الدال" بالفتح، وقال الخطابي: بالضم. وكأنه أشبه؛ لأن ما كان من الأدواء فهو بالضم كالسعال، والزكام، قال الخطابي: ويروى بـ"الراء" موضع النون، ولا معنى له.

                                                قلت: وقد وقع في بعض نسخ الطحاوي بالراء، وله وجه؛ لأن الدمار: الهلاك.

                                                قوله: "وأصابه مراق" بضم الميم وتخفيف الراء وفي آخره قاف وهو آفة تصيب الزرع، قال الجوهري: المرق آفة تصيب الزرع.

                                                قوله: "قال أبو جعفر -رحمه الله-: الصواب هو مراق" أشار بهذا أن المراق تفسير الدمان، وتقدير الكلام: أصاب الثمر العفن والدمان هو مراق، وقال البيهقي بعد أن روى الحديث المذكور: رواه البخاري فقال: وقال الليث ، عن أبي الزناد ... فذكره، وعنده مراض بدل مراق، وقال الأصمعي: أن تنشق النخلة أو ما يبدو طلعها عن عفص وسواد، قال: والقشام أن ينتفض ثمر النخل قبل أن يصير بلحا، والمراض اسم لأنواع الأمراض.

                                                [ ص: 491 ] قلت: القشام بضم القاف، والمراض بضم الميم: داء يقع في الثمرة فتهلك، وقد أمرض الرجل إذا وقع في ماله العاهة.

                                                قوله: "عاهات" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي المذكورات من العفن والدمان والمراق والقشام: عاهات، أي آفات وأمراض يحتجون بها، وهي جمع عاهة، وأصلها عوهة، ذكرها الجوهري: في الأجوف الواوي، وقال: العاهة الآفة، يقال: عيه الزرع وأيف وأرض معيوهة، وأعاه القوم: أصابت ماشيتهم العاهة، وقال الأموي: أعوه القوم مثله.

                                                قوله: "حتى لا يرطب" من الإرطاب، يقال: أرطب النخل: صار ما عليه رطبا، وأرطب البسر: صار رطبا.




                                                الخدمات العلمية