الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 125 ] 619 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما سأل ربه عز وجل ثم ود أنه ما سأله إياه

3966 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي ، وحدثنا أحمد بن داود بن موسى ، قال : حدثنا أبو الربيع الزهراني ، قالا : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير .

عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سألت ربي عز وجل مسألة وددت أني لم أكن سألته ، قلت : أي رب قد كانت قبلي أنبياء ، منهم من سخرت له الريح ، ثم ذكر سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم ، ومنهم من كان يحيي الموتى ، ثم ذكر عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم ومنهم ومنهم يذكر ما أعطوا ، قال : ألم أجدك يتيما فآويت ؟ قلت : بلى ، أي رب ، قال : ألم أجدك ضالا فهديت ؟ قلت : بلى ، أي رب . قال : ألم أجدك عائلا فأغنيت ؟ قلت : بلى ، أي رب ، قال : ألم أشرح لك صدرك ، ووضعت عنك وزرك ؟ قلت : بلى ، أي رب .

[ ص: 126 ]

3967 - وحدثنا محمد بن علي بن داود ، قال : حدثنا إسحاق بن هشام التمار ، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، قال : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، قالا : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا عطاء بن السائب ، قال محمد بن علي في حديثه ، قال حماد : وأظنه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وقال إسحاق بن إبراهيم في حديثه ، قال حماد : وأكثر ظني أنه عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، ثم ذكر هذا الحديث .

ففي هذا الحديث ما يدل أنه صلى الله عليه وسلم كان سأل ربه أن يؤتيه شيئا يبين به من الأنبياء قبله صلوات الله عليهم من جنس ما آتاه من تقدمه منهم مما أبانه به من سائر الأنبياء صلوات الله عليهم سواه .

منهم سليمان صلى الله عليه وسلم لما سأله أن يؤتيه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، فسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ، والشياطين كل بناء وغواص [ ص: 127 ] ، وآخرين مقرنين في الأصفاد .

ومنهم عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم آتاه أن يبرئ الأكمه والأبرص بإذنه ، وأن يخرج الموتى بإذنه .

فكان من الله عز وجل إعلامه إياه أنه قد آتاه ما هو فوق ذلك مما قد اقتص في الحديث ومما لم يقتص فيه مما هو مذكور في سورة ألم نشرح لك مما خاطبه به من قوله عز وجل له صلى الله عليه وسلم : ورفعنا لك ذكرك حتى جعله مذكورا في الأذان الذي يدعى به إلى الصلوات التي افترضها على خلقه ، وتعبدهم بها ، ولم يؤت ذلك أحدا ممن تقدمه من الأنبياء صلوات الله عليهم ، ومن سليمان ومن عيسى وممن سواهما منهم ، وجعله مع ذلك مما لم يذكر في تلك السورة ، ولا في هذا الحديث مذكورا في الصلوات بعد ذكره عز وجل فيها ومصلى عليه فيها في التشهد لها ، فود صلى الله عليه وسلم لما وقفه الله عز وجل على ذلك أنه لم يكن سأله ما سأله أن يعطيه إياه مما قد كان أعطاه ما هو فوقه ، وما هو أفضل منه ، ثم روي عنه صلى الله عليه وسلم مما قد أحطنا علما أنه لم يقله إلا بعد ذلك .

3968 - ما قد حدثنا فهد بن سليمان ، ومحمد بن جعفر المعروف بابن الإمام ، قالا : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي ، قال : حدثنا زهير بن معاوية ، قال : حدثنا أبو خالد يزيد الأسدي ، عن عون بن أبي جحيفة السوائي ، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي .

عن عبد الرحمن بن أبي عقيل قال : انطلقت في وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتينا ، فأنخنا بالباب ، وما في الناس أبغض إلينا من رجل [ ص: 128 ] نلج عليه ، فما خرجنا حتى ما في الناس أحب إلينا من رجل دخلنا عليه ، فقال قائل منا : يا رسول الله ، ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان ؟ قال : فضحك ، ثم قال : فلعل لصاحبكم عند الله عز وجل أفضل من ملك سليمان ، إن الله لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة ، فمنهم من اتخذها دنيا فأعطيها ، ومنهم من دعا بها على قومه إذا عصوا ، فأهلكوا بها ، وإن الله عز وجل أعطاني دعوة ، فاختبأتها عند ربي عز وجل شفاعة لأمتي يوم القيامة .

فعقلنا بذلك أن منزلته صلى الله عليه وسلم من ربه عز وجل فوق منزلة سليمان صلى الله عليه وسلم ، ثم زاده الله عز وجل بعثته إياه إلى الناس جميعا وإنزاله عليه : قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ، ولم يكن غيره من الأنبياء يبعث إلا إلى قومه ، أو إلى خاص من الناس دون بقيتهم .

وخصه عز وجل بما أتى لنا به على لسانه صلى الله عليه وسلم من قوله .

3969 - ما قد حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : حدثنا [ ص: 129 ] سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب .

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وأرسلت إلى الأحمر والأبيض ، وأعطيت الشفاعة .

سمعت المزني يقول : سمعت محمد بن إدريس - يعني الشافعي - يقول : جلست إلى سفيان فذكر هذا الحديث فقال الزهري عن أبي سلمة أو سعيد عن أبي هريرة ، ثم ذكره .

ولم يكن غيره من الأنبياء صلى الله عليه وسلم يصلي إلا في مواضع خاصة ، وخص أيضا أن جعل له الطهور بالصعيد الذي هو من الأرض طهورا يقوم مقام الطهور بالماء إذا أعوز الماء حتى يؤدي به الفرائض ، كما كان يؤديها بالطهور وبالماء لو كان وجده ولم يؤت ذلك أحدا قبله من الأنبياء [ ص: 130 ] صلوات الله عليهم ، وفضله عز وجل بإحلاله له الغنائم ولم تكن حلالا لأحد من الأنبياء قبله ، وإنما كانت نار تنزل من السماء فتأكلها .

ففي ذلك ما قد دل على فضله على جميع الأنبياء صلى الله عليه وعليهم وزاده شرفا وفضلا وجزاه عنا أفضل ما جزى به أحدا من خلقه عن أحد منهم ، والله نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية