الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 319 ] 846 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمره عمر أو عميرا مولى آل آبي اللحم لما سأله ما سأله من غنائم خيبر أن يتقلد السيف قبل أن يأمر له بشيء منها

5294 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني عثمان بن الحكم الجذامي ، عن محمد بن زيد بن مهاجر ، أنه حدثه ، قال : حدثني عمير مولى آل آبي اللحم ، قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين افتتح خيبر ، فقمت ، فقلت : يا رسول الله سهمي ، فقال : خذ هذا السيف فتقلده ، قال : فتقلدته ، فخطت نعله ، قال : فأمر لي من الخرثي ، قال عثمان : فقلت له : وكان يومئذ عبدا ؟ قال : لا أدري ، حق ما قيل حق .

[ ص: 320 ]

ففي هذا الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر هذا الرجل المذكور فيه أن يتقلد السيف ، وأنه لما تقلده خطت نعله في الأرض ، فأمر له من الخرثي ، بما أمر له به منه .

فتأملنا هذا الحديث لنقف على المعنى الذي من أجله أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتقلد السيف مع تركه أمر غيره من الناس ممن كان معه حينئذ بذلك ; لنقف على المراد به إن شاء الله ، فنظرنا : هل كان في ذلك الرجل معنى يبين به من غيره ممن كان حينئذ حاضرا لذلك الفتح . ؟

5295 - فوجدنا علي بن معبد قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو نوح عبد الرحمن بن غزوان ، قال : حدثنا هشام بن سعد ، عن محمد بن زيد بن مهاجر ، عن عمير - مولى آبي اللحم - قال : جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بخيبر وعنده الغنائم ، وأنا عبد مملوك ، فقلت : يا رسول الله أعطني ، قال : تقلد السيف ، فتقلدته ، فوقع بالأرض ، فأعطاني من خرثي المتاع .

فوقفنا بما في هذا الحديث على أن ذلك الرجل كان عبدا ، وكانت سنته - صلى الله عليه وسلم - في العبيد إذا حضروا القتال أن لا يضرب لهم بسهم ، ولكن [ ص: 321 ] يجزيهم من الغنائم التي تكون عن ذلك القتال .

5296 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا أبي ، قال : سمعت قيسا - يعني قيس بن سعد - يحدث عن يزيد بن هرمز ، قال : كتب نجدة بن عامر إلى ابن عباس يسأله عن المرأة والعبد إذا حضرا البأس ، هل يسهم لهما ؟ فكتب إليه ابن عباس - وأنا شاهد - : لم يكن يسهم لهما إذا حضرا البأس إلا أن يحذيا من غنائم القوم .

ولما كانت سنته في العبيد إذا حضروا القتال ما قد ذكرنا ، عقلنا أن ذلك الذي كان يحذيهم به من الغنائم إنما كان على قدر غنائهم في القتال الذي كانت تلك الغنائم عنه ، ولم يكونوا في سنته كمن سواهم من الأحرار في ذلك ; لأن الأحرار قد تولى الله - عز وجل - مقادير سهمانهم من الغنائم ، وسوى بين قويهم وضعيفهم فيها ، وكان العبيد فيما ذكرنا بخلاف ذلك مما وصفنا ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الرجل المذكور في هذا الحديث أن يتقلد السيف ليعلم مقدار غنائه كان في ذلك القتال ، فيعطيه من الغنائم التي كانت عنه بحسب ذلك .

فقال قائل : وكيف يجوز أن يعطيه من الغنائم ما يستحقه بقتاله منها ؟ وإنما الذي يستحقه لمن يملكه ، وليس فيما رويتم ما يدل على [ ص: 322 ] أن من كان يملكه قد أباح للنبي - صلى الله عليه وسلم - إعطاءه ذلك ، وتسليمه إليه .

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه قد روي أن الذين كانوا يملكونه قد سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، وأباحوه إياه .

5297 - كما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا علي بن عثمان اللاحقي ، قال : حدثنا بشر بن المفضل ، عن محمد بن زيد بن المهاجر ، عن عمير - مولى آبي اللحم - قال : شهدت خيبر مع سادتي ، فكلموا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبروه أني مملوك ، فأمرني ، فتقلدت السيف ، فإذا أنا أجره ، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع .

فعقلنا بذلك : أن دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك المملوك ما دفع إليه مما هو لمن يملكه ، كان بسؤال من يملكه إياه ذلك ، فبان بحمد الله ونعمته لما جمعت هذه الآثار أن جميع ما روي فيها غير خارج عن شيء من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا من أحكامه ، والله نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية