الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 146 ] 813 - باب بيان مشكل ما قد تنازعه أهل العلم بعد ذلك في وجوب اللعان بالحمل المنفي ، وفي سقوط اللعان به

قال أبو جعفر : قد كان بعض من يذهب إلى إثبات اللعان بنفي الحمل قبل وضع أمه إياه ، يحتج لما يذهب إليه في ذلك على مخالفيه فيه ، بقول الله في المطلقات : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن .

فيقول : قد جعل الله للمحمول به ، المطلقة أمه ، على المحمول به منه قبل وضع أمه إياه الإنفاق عليه ، وهو الغذاء الذي تغذاه أمه حتى يوصل إليه منه ما يكون به حياته ، وكان المحمول به منه مأخوذا بذلك ، محكوما به عليه ، كما يؤخذ به لو كان المحمول به موضوعا قبل ذلك .

قال : وإذا كان ذلك كذلك ، فاستحقاق ما ذكرنا استحقاقه إياه على مطلق أمه كان كذلك : أنه يستحق به قبل وضعها إياه ملاعنته إذا نفاه عنها .

فكان من حجتنا على هذا المحتج بذلك لمخالفته فيه بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن الأمر في ذلك ليس كما ذكره فيه ، ولا النفقة التي [ ص: 147 ] جعلها الله - عز وجل - في ذلك على المطلق للمطلقة الحامل بسبب ولدها ، ليكون ذلك عدا له ، ولكنها نفقة للمطلقة نفسها ، لأنها في عدة من مطلقها ، لا لأنها حامل منه .

ومما يدل على ذلك : أن رأينا المحمول به لو كان له مال قد ورثه عن أخ له لأمه توفي وأمه حامل به ، أن ذلك لا يرفع النفقة عن أبيه على أمه ، وأن النفقة على أبيه كما كانت لو كان لا مال له .

فدل ذلك أن النفقة المحكوم بها على أبيه التي ذكرناها هي لأمه ، لا له ; لأنها لو كانت له لم يستحقها على أبيه إلا بفقره إلى ذلك ، وحاجته إليه منه ، كما لو كان موضوعا قبل ذلك لم يستحق النفقة عليه إلا بذلك .

وفي وجوب النفقة على أبيه في حال يساره وفي حال إعساره ، على أمه ما قد دل أن تلك النفقة لغيره لا له ، وحجة أخرى : أن النفقة لو كان يراد بها اتصال الغذاء إليه ، لوجب أن يكون بعضها مرفوعا عن أبيه ; لأنها تكون غذاء لأمه فيما يكون به حياتها ، ويقوم به بدنها ، ويوصل به الغذاء إليه ، فكان ما يكون من ذلك غذاء للمطلقة مرفوعا عنه ، وما يكون من ذلك يوصل الغذاء إلى ابنه ثابتا عليه .

وفيما ذكرنا ما قد دل على أن معنى قول الله - عز وجل - : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ، إنما المراد بذلك نهاية الإنفاق ، لا ما سوى ذلك ، ويدل على ذلك أيضا قوله - عز وجل - : فأنفقوا عليهن ، ولم يقل : على من هن حوامل به .

وفي ذلك ما قد دل : أن الإنفاق من المطلق في حال حمل [ ص: 148 ] المطلقة عليها ، إنما هو عليها ; لاعتدادها منه حاملا كانت أو غير حامل ، كما يقول من يوجب النفقة للمطلقة الطلاق البائن في عدتها ، حاملا كانت منه أو غير حامل .

وفي ثبوت ما ذكرنا ما ينفي أن يكون فيما احتج به هذا القائل باللعان بالحمل لقوله ذلك ، لما قد ذكرنا من احتجاجه به له ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .

وقال هذا المحتج أيضا : ومما يدل على ما ذهبنا إليه في إثبات اللعان بالحمل ، السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قضائه في دية شبه العمد بالأربعين الخلفة من الإبل التي في بطونها أولادها ، وذكر في ذلك

5152 - ما قد حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري ، قال : أخبرنا هشيم ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن ، عن عقبة بن أوس السدوسي ، عن رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب يوم فتح مكة ، فقال في خطبته : ألا إن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر ، فيه دية مغلظة ، مائة من الإبل ، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها .

[ ص: 149 ]

5153 - وما قد حدثنا إسماعيل بن حمدويه البيكندي ، قال : حدثنا عارم أبو النعمان ومسدد بن مسرهد ويحيى بن عبد الحميد الحماني ، [ ص: 150 ] قالوا : حدثنا حماد بن زيد ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن ، عن عقبة أو يعقوب السدوسي ، عن عبد الله ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله .

غير أن مسددا والحماني لم يشكا ، وقالا في حديثيهما : عن القاسم بن ربيعة ، عن عقبة بن أوس ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

قال هذا القائل : فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قضى بالخلفات في الدية ، وهي الحوامل ، ولو كان الحمل غير معروف ، وغير مدروك لما قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا كلفه أحدا .

وفي ذلك ما قد دل على أن الحمل مدروك ، وعلى أن الحكم مستعمل فيه قبل وضع أمه إياه كما يستعمل فيه بعد وضعها إياه .

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - جل وعز - وعونه : أنه لا حجة [ ص: 151 ] له فيما احتج به من ذلك لما احتج له به ; لأن الذي جعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذه الإبل ، جعله بظاهر ما تلك الإبل عليه ، وبما يقع في القلوب بما يشاهد منها أنها كذلك ، لا بتحقيق لذلك منها ، والدليل على ذلك : أنه غير مستنكر أن تكون الناقة عند الناس حاملا بما يرونه منها مما جرت العادة برؤيتهم إياه في أمثالها ، ثم يتبين أنها غير حامل ، وكذلك بنات آدم قد يرين كذلك ، ثم يتبين أن الذي كان يرى منهن غير حمل .

ولما كان ذلك كذلك وجب أن لا يلاعن إلا بما يوقف على حقيقته ، لا فيما يستعمل فيه الظن الذي لا حقيقة معه ، ومما يدل على ذلك أن رجلا لو قال لعبده : إن كانت أمتي حاملا ، فأنت حر ، وظاهر أمرها أنها حامل ، ثم مات أبو العبد قبل أن تضع ، فجاء يطالب بميراثه ، أنه لا يحكم له بذلك في قول جميعهم ، إذ كان ما ظهر من تلك الأمة قد لا يكون حملا ، ولا يكون بالقول الذي كان من مولاه عتيقا عتاقا يستحق به ميراث أبيه .

وإذا كان ذلك كذلك في المواريث ، كان في نفي الأحمال كذلك ، وكان الذي قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخلفات ، هو من ذلك المعنى أيضا . أن يحقق بوضعهن لما يعلم أنهن كن حوامل به يوم دفعهن من كن عليه إلى من وجبن له ، كان قد استوفى ما وجب له ، وإن بان أنهن كن حينئذ بخلاف ذلك ردهن ، وطالب بحوامل .

وفيما ذكرنا ما قد نفى أن يكون لهذا المحتج حجة فيما احتج به مما ذكرنا لما وصفنا ، مع أنه قد ظلم مخالفه في جميع ما احتج [ ص: 152 ] به عليه مما ذكرنا ، لأن مخالفه يزعم أن النفقة في اعتداد المطلقات البوائن على مطلقيهن للعدة اللائي هن فيها ، لا لأحمال إن كانت بهن ، وأن الدية في شبه العمد لا خلفات فيها ، وإنما هي عندهم مائة من الإبل ، منها : خمسة وعشرون حقة ، وخمسة وعشرون جذعة ، وخمسة وعشرون بنات لبون ، وخمسة وعشرون بنات مخاض ، غير محمد بن الحسن ، فإنه قد كان يقول بالخلفات .

وفيما احتججنا به في ذلك ما يدفع أن يكون عليه حجة فيما احتج به هذا المخالف عليه مما قد ذكرنا ، وفيما قد ذكرنا في هذه الأبواب ما قد دل على أن القول الصحيح في نفي الحمل ، هو ما قد ذكرناه فيه عن محمد بن الحسن بما وافقه أبو يوسف عليه ، والله نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية