الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 48 ] 157 - باب بيان مشكل جواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للذي قال له : يا خير البرية ! بقوله : ذاك إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -

1014 - حدثنا بكار بن قتيبة قال : حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي قال : حدثنا سفيان ، عن المختار بن فلفل قال : سمعت أنسا يقول : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا خير البرية ! فقال : ذاك أبي إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - .

1015 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق وإبراهيم بن محمد بن يونس [ ص: 49 ] البصريان جميعا ، حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا سفيان ثم ذكر بإسناده مثله .

1016 - حدثنا محمد بن خزيمة قال : حدثنا مسدد بن مسرهد قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان ثم ذكر بإسناده مثله .

1017 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال : حدثنا عفان بن مسلم قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، عن المختار بن فلفل ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ مثله .

قال أبو جعفر : فكان ما في هذا الحديث محتملا عندنا - والله أعلم - أن يكون كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا القول قبل أن يتخذه الله خليلا ، ولم يكن لله عز وجل خليلا حينئذ غير إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فكان إبراهيم يفضله حينئذ بالخلة ، وكانت الخلة المحبة التي لا محبة فوقها .

فلما قال ذلك الرجل له - صلى الله عليه وسلم - : يا خير البرية ! واستحال أن يكون الله عز وجل يختص لمحبته من في عباده من هو فوقه قال له : ذاك أبي إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - . فلما جعله الله له خليلا عاد بالخلة من الله عز وجل إلى المعنى [ الذي ] كان إبراهيم استحق به في الحديث الذي روينا ما ذكر استحقاقه فيه .

ثم صار النبي - صلى الله عليه وسلم - لله عز وجل خليلا كما كان إبراهيم خليلا له ، فصارا جميعا متساويين في الخلة منه . واختص الله عز وجل نبيه دون إبراهيم بذكره فيما لا يذكر إبراهيم فيه في التأذين [ ص: 50 ] في الصلاة والإقامات بها بأن جعله - صلى الله عليه وسلم - مذكورا فيها بعقب ذكره عز وجل فيها ، فكانت هذه منزلة فضل بها - صلى الله عليه وسلم - على سائر النبيين صلى الله عليهم في الدنيا ، وأعطاه في الآخرة المقام المحمود الذي لم يعطه غيره .

1018 - كما حدثنا فهد بن سليمان قال : حدثنا يزيد بن عبد ربه الجرجسي قال : حدثنا بقية بن الوليد قال : حدثنا الزبيدي ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن كعب بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على قل ، فيكسوني ربي عز وجل حلة خضراء . ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول ، فذلك المقام المحمود .

1019 - وكما حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري قال : حدثنا عمرو بن عثمان ومحمد بن المصفى الحمصيان قالا : حدثنا بقية ، ثم ذكر بإسناده مثله .

1020 - وكما حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال : حدثنا مكي بن [ ص: 51 ] إبراهيم ، عن داود بن يزيد الأودي ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في قول الله عز وجل : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا . قال : هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي .

1021 - وكما حدثنا ابن أبي داود قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله عز وجل اتخذ إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - خليلا ، وإن صاحبكم خليل الله . ثم قرأ : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا .

[ ص: 52 ] قال أبو جعفر : فكان ذلك المقام المحمود مما اختصه الله به في الآخرة ، فلم يؤته أحدا سواه من أنبيائه صلى الله عليهم حتى غبطه - صلى الله عليه وسلم - به الأولون والآخرون .

1022 - كما حدثنا هارون بن كامل قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني الليث بن سعد قال : حدثني عبيد الله بن أبي جعفر قال : سمعت حمزة بن عبد الله يقول : سمعت عبد الله بن عمر يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم . وقال : إن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن .

فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم - صلى الله عليه وسلم - فيقول : لست صاحب ذاك ، ثم بموسى - صلى الله عليه وسلم - فيقول ذلك ، ثم بمحمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين ، فيشفع ليقضى بين الخلق . فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة ، فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا ، يحمده أهل الجمع كلهم .


[ ص: 53 ] قال أبو جعفر : وكان مما اختصه الله عز وجل به سوى ذلك .

1023 - كما حدثنا المزني قال : حدثنا الشافعي قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وأرسلت إلى الأحمر والأبيض ، وأعطيت الشفاعة .

قال لنا المزني : قال الشافعي : ثم جلست إلى سفيان ، فذكر هذا الحديث فقال : الزهري عن أبي سلمة وسعيد ، عن أبي هريرة ، ثم ذكره .

[ ص: 54 ]

1024 - وكما حدثنا فهد قال : حدثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني قال : حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان ، عن أبي مالك الأشجعي ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا ، وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء . وأوتيت هؤلاء الآيات من كنز تحت العرش : خواتيم سورة البقرة ، لم يعطها أحد قبلي ولا يعطاها أحد بعدي .

قال أبو جعفر : وفيما ذكرنا من هذا تصديق ما قد رويناه في باب بيان مشكل لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا .

وفيما قد رويناه فيه قول عبد الله بن مسعود مما لم يقله إلا توقيفا ؛ لأن مثله لا يقال إلا بالتوقيف ، وأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - أكرم الخلائق على الله عز وجل .

وفيما ذكرنا من هذا الباب ما قد دل أن قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جوابا للذي قال له : يا خير البرية : ذاك أبي إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - . وما قد رويناه في الباب الذي ذكرناه بعده من قوله : لا تخيروني على موسى - صلى الله عليه وسلم - ، ومما ذكرناه في الباب الآخر من قوله : لا ينبغي لعبد أن يقول : أنا خير من [ ص: 55 ] يونس بن متى . إنما كان ذلك قبل إعطاء الله عز وجل إياه ما ذكرنا من إعطائه إياه في هذا الباب العطايا التي فضله بها على جميع خلقه حتى صار بذلك فاضلا لأولهم ولآخرهم - صلى الله عليه وسلم - والله نسأله التوفيق .

1025 - وقد حدثنا يوسف بن يزيد قال : حدثنا الحجاج بن إبراهيم قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : فضلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامع الكلام ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون .

قال أبو جعفر : وفي هذا ذكر تفضيله - صلى الله عليه وسلم - على النبيين وفيهم إبراهيم صلى الله عليه وعليهم أجمعين .

التالي السابق


الخدمات العلمية