الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
مطلب : في كراهة أن يأتي الرجل أهله طروقا .

( ولا سيما ) هذه كلمة تدخل ما بعدها فيما قبلها بطريق الأولى أي يكره دخول الهاجم من غير استئذان ولا إعلام كراهة أشد من الأولى حيث كان الهاجم قادما ( من سفرة ) كان قد سافرها ولو كانت قريبة ( و ) أشد من ذلك حيث كان قادما من مكان ذي ( تبعد ) أي بعد ، فإذا كان الإنسان مسافرا سفرا بعيدا كره له أن يأتي ليلا ، { ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى إذا أطال الرجل الغيبة أن يأتي أهله طروقا } .

وفي رواية { نهى أن يطرق أهله ليلا يتخونهم أو يطلب عثراتهم } .

قال الخلال : أخبرني محمد بن موسى أن أبا عبد الله سئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم { لا تأتوا النساء طروقا } قال : نعم يؤذنهم قبل بكتاب ، وهذا الخبر في الصحيحين من حديث جابر وفي آخره { كي تمتشط الشعثة وتستحد المعنية } .

وفي مسلم { يتخونهم أو يطلب عثراتهم } وفيهما عن جابر { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أطال الرجل الغيبة أن يجيء أهله طروقا } وهو بضم الطاء أي ليلا .

يقال لكل من أتاك ليلا طارق ، ومنه قوله تعالى { والسماء والطارق } يعني النجم ; لأنه يطرق بطلوعه ليلا .

وقوله في الحديث { تستحد } أي تصلح من شأن نفسها ، والاستحداد مشتق من الحديد ، وهو إزالة الشعر بالموسى .

وقوله ( { المعنية } يعني ذات العانة ، يقال : استعان الرجل يعني إذا حلق عانته ، واستعمل الاستحداد على طريق الكناية والتورية والمراد كي تمتشط وتهيئ حالها ، وتزيل الشعر الذي تعافه النفوس وهو شعر العانة .

قال النووي في شرح مسلم : معنى هذه الروايات كلها أنه يكره لمن طال [ ص: 312 ] سفره أن يقدم على امرأته ليلا بغتة ، قال : وأما إذا كان سفره قريبا تتوقع امرأته إتيانه ليلا فلا بأس . انتهى .

( تنبيهان ) :

( الأول ) : استوجبه صاحب الآداب الكبرى أن من طرق أهله ليلا طلبا لعثراتهم وتتبعا لعوراتهم حرم عليه ذلك ; لأنه من التجسس والإكراه .

قال : وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم الليل بذلك ; لأنه الغالب لا لاختصاص الحكم .

وقول الإمام أحمد يؤذنهم بكتاب يقتضي ذلك ، وإلا لكان قال الإمام يدخل نهارا وهو ظاهر إطلاق الناظم ، فإن كلامه يشمل النهار كالليل .

( الثاني ) : ظاهر إطلاق كلام الناظم عدم الفرق بين السفر القصير والبعيد ، بل يدل عطفه البعيد على السفر أن المراد بالمعطوف عليه القصير كما هو شأن العطف .

نعم ظاهر كلام الحجاوي عدم الكراهة في السفر القريب كما قال النووي ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية