الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              صفحة جزء
              باب ذكر ما جاءت به السنة من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتحذير من طوائف يعارضون سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن

              قال الشيخ : وليعلم المؤمنون من أهل العقل والعلم أن قوما يريدون إبطال الشريعة ودروس آثار العلم والسنة فهم يموهون على من قل علمه وضعف قلبه بأنهم يدعون إلى كتاب الله ويعملون به وهم من كتاب الله يهربون وعنه يدبرون وله يخالفون وذلك أنهم إذا سمعوا سنة رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رواها الأكابر عن الأكابر ونقلها أهل العدالة والأمانة ومن كان موضع القدوة والأمانة وأجمع أئمة المسلمين على صحتها أو حكم فقهاؤهم بها عارضوا تلك السنة بالخلاف عليها وتلقوها بالرد لها وقالوا لمن رواها عندهم تجد هذا في كتاب الله ؟ وهل نزل هذا في القرآن ؟ وأتوني بآية من كتاب الله حتى أصدق بهذا .

              فاعلموا رحمكم الله ، أن قائل هذه المقالة إنما ترقق عن صبوح ويسر خبيئا في اربغاء يتحلى بحلية المسلمين ويضمر على طوية الملحدين يظهر الإسلام بدعواه ويجحده بسره وهواه . فسبيل العاقل العالم إذا سمع قائل هذه المقالة أن يقول له : يا جاهلا في الحق خبيثا في الباطن يا من [ ص: 224 ] خطئ به طريق الرشاد وسبيل أهل السداد ، إن كنت تؤمن بكتاب الله وأنه منزل من عند الله وإن ما أمرك الله به وما نهاك عنه فرض عليك قبوله فإن الله أمرك بطاعة رسوله وقبول سنته لأن الله عز وجل إنما ذكر فرائضه وأوامره بخطاب أجمله وكلام اختصره وأدرجه دعا خلقه إلى فرائض ذكر أسماءها وأمر نبيه بأن يبين للناس معانيها ويوقف الأمة على حدود شرائعها ومراتبها . فقال تبارك وتعالى :

              وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون .

              فربنا تعالى هو المنزل ، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو المبين . قال الله عز وجل : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة .

              وقال : ولله على الناس حج البيت .

              وقال : وأتموا الحج والعمرة لله .

              وقال : كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم .

              فلو عارضك من هو في الزيغ هالك وقال لك : إن الصلاة التي دعاني الله إلى إقامتها إنما هي صلاة في عمري أو صلاة واحدة في كل يوم أو عارضك في إحدى الصلوات الخمس فقال : إن صلاة الظهر ركعتان أو صلاة العصر ثلاث ركعات ، أو قال لك : إن التي تسر القراءة فيها من صلاة النهار سبيلك أن تجهر به وما تجهر به في صلاة الليل والفجر سبيلك أن تخافت به ، أو قال لك : إن الله تعالى قال : [ ص: 225 ] إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع .

              فقال : إنما أمرني الله بالسعي والذكر وليس تجب علي صلاة وإنما أذكر الله بلساني وأنصرف ، أو قال لك : إن الصلاة يوم الجمعة أربع ركعات كسائر الأيام مثل صلاة الظهر من غير خطبة ، وإلا فأوجدني للخطبة وصلاة الركعتين والجهر فيهما بالقراءة في كتاب الله موضعا ، أو قال لك : إن الله أمرني بالزكاة وإنما تجب على من معه ألف دينار في عمره مرة واحدة دينار واحد ، أو قال لك قائل : إنما الزكاة في الذهب والورق ولا زكاة في الحبوب ولا البهائم ، أو كيف تعطى الزكاة من البهائم ، والأنعام ؟ أو قال آخر : إن الخيل والبغال والحمير والإماء والعبيد والعقارات والسفن والثياب الفاخرة والجواهر ، واليواقيت التي يتزين الناس ويتجملون بها من نفيس الأموال وخطير العقد والأملاك فلم لا تؤدى زكاتها ؟ أو قال لك قائل : إني أحج بلا إحرام ولا أخلع ثيابي ولا أجتنب شيئا مما يجتنبه المحرمون ولا أمتنع من جماع النساء وأستعمل الطيب ولا آتي الميقات ويجزيني طواف واحد وسعي واحد . والعمرة التي ذكرها الله عز وجل إنما هي صلاة أصليها أو هدية أهديها ، أو قال لك : إن الجمار لا أرميها . أو عارضك في شهور رمضان وقال : - إنما فرض على النبي وأصحابه فقال - : إن الشهر الذي فرض صيامه إنما هو رمضان الذي أنزل فيه القرآن ، أو قال لك : إن الصوم عن الطعام والشراب فإن استعط الرجل أو احتقن أو ازدرد ما لا يؤكل ولا يشرب ، مثل [ ص: 226 ] الحصى والنوى والحجارة وما أشبهها لم يفسد ذلك صومه . أو عارضك آخر فقال لك : إن الله عز وجل جعل ميراث الآباء للأبناء والأزواج والزوجات والإخوة والأخوات فأنا لا أمنع ابنا أن يرث أباه ، وإن كان الابن قاتلا أو كافرا أو عبدا ، وذلك الرجل يرث زوجته اليهودية والنصرانية والأمة فإن الله عز وجل سماها زوجة ، وقد قال :

              ولكم نصف ما ترك أزواجكم .

              وماذا كنت قائلا لرجل قال لك : إن الله عز وجل ذكر المحرمات من النساء في كتابه ثم قال عند آخرهن :

              وأحل لكم ما وراء ذلكم .

              فلم يمنعني أن أجمع بين المرأة وخالتها أو بين المرأة وعمتها ، وكذلك قال :

              وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة .

              فما حرم في كتابه غيرها بلبن . فما تصنع بباقي المحرمات بالرضاع بمثلهن من النسب والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) . نعم ويجزي أيضا من لبن الفحل مثله وكل ذلك فغير موجود [ ص: 227 ] في كتاب الله قد أباح كل ما كان بعد المسميات وماذا عساك كنت قائلا لمن قال لك : إن الله أمرني أن أجعل وصيتي إن حضرتني الوفاة لأبوي والأقرب من قرابتي ، فإنه قال :

              إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين .

              وما أنت قائل لمن قال لك : إن الله عز وجل قال :

              والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا .

              فمن سرق نواة فما فوقها فهو سارق ، فأنا أرى قطع يده من حيث سرقها ، من حرز أو غيره فهو سارق . وقال لك آخر : اليد من الأنامل إلى المنكب كلها يد فأنا أقطع السارق من منكبه . وقال لك آخر : لا أقطع إلا أطراف أنامله هذا وشبهه وما لو استقصيناه لطال الكتاب وكثر الإسهاب . فبما إذا أنت قاطع حجته ودارئ عن نفسك خصومته وهل لك ملجأ تلجأ إليه أو شيء تعول عليه غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي فرض الله عليك طاعته فيها وقبولها والعمل بها . فإن قلت : وما السنة التي هذا موضعها قيل لك هو ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه وقاله أو فعله وكل ذلك فواجب عليك قبوله والعمل به فاتباعه هدى والترك له على سبيل العناد كفر وضلال . ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم أنه سيكون في آخر الزمان أهل إلحاد وزيغ وضلال يكذبون سنته ويجحدون مقالته ويردون شريعته فلذلك قال فيهم ما قال .

              [ ص: 228 ]

              التالي السابق


              الخدمات العلمية