الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 356 ] 459 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما رخص فيه من الكلام الذي يراد به الصلاح بين الناس ، والكلام الذي يحدث به الرجل امرأته ، والكلام الذي تحدث به المرأة زوجها ، والكلام في الحرب

2913 - حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن عثمان - يعني : ابن خثيم - عن شهر بن حوشب ، عن أسماء ابنة يزيد قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يصلح الكذب إلا في إحدى ثلاث : إصلاح بين الناس ، وكذب الرجل لامرأته ليرضيها ، وكذب الحرب .

2914 - حدثنا فهد ، قال : حدثنا محمد بن كثير ، عن عبد الله بن واقد ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، [ ص: 357 ] عن أبي الطفيل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إنه لا يصلح الكذب إلا في إحدى ثلاث : رجل كذب امرأته ليستصلح خلقها ، ورجل كذب ليصلح بين امرأين مسلمين ، ورجل كذب في خديعة حرب ، إن الحرب خدعة .

2915 - حدثنا الحسن بن غليب ، قال : حدثنا يوسف بن عدي ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن سليمان الرازي ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن شهر بن حوشب قال : أخبرتني أسماء ابنة يزيد الأشعرية قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل الكذب يكتب على بني آدم إلا : من كذب لامرأته ، أو رجل كذب بين امرأين مسلمين يصلح بينهما ، ورجل كذب في حرب .

قال : فتأملنا هذه الآثار فوجدنا فيها قول من رويت عنه مما أضيف فيها من الأحوال التي تصلح للكذب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجدنا الله عز وجل قد قال في كتابه : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين [ ص: 358 ] ، ووجدناه عز وجل قد قال في كتابه : واجتنبوا قول الزور ، فكان فيما تلونا أمره عز وجل لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين به أن يكونوا مع الصادقين ، وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تقدمه من أنبيائه صلوات الله عليهم ، ولم يخصص ذلك بحال دون حال ، ولا وقت دون وقت ، بل عم به الأحوال كلها والأوقات كلها ، وكذلك ما أمر به من اجتنابه فيها هو كذلك أيضا على الأوقات كلها ، وعلى الأحوال كلها .

ورسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الناس من خلاف ما أمره به ربه عز وجل .

ثم نظرنا هل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المعاني سوى ما قد رويناه في هذا الباب .

2916 - فوجدنا فهدا قد حدثنا ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني يحيى بن أيوب ، عن مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أم كلثوم ابنة عقبة أنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ، فيقول خيرا أو ينمي خيرا .

[ ص: 359 ]

2917 - ووجدنا ابن أبي داود قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو اليمان ، قال : حدثنا شعيب ، عن الزهري ، قال : حدثنا حميد بن عبد الرحمن أن أمه أم كلثوم ابنة عقبة ، وكانت من المهاجرات اللاتي بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ليس الكذاب الذي ينمي خيرا أو يقول خيرا ليصلح بين الناس .

وكان في هذين الحديثين نفي رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب عمن يصلح بين الناس ، فينمي خيرا أو يقول خيرا ، ولم يكن ذلك إلا على القول الذي بمعاريض الكلام مما ليس قائله كاذبا .

[ ص: 360 ]

2918 - ووجدنا ابن أبي داود قد حدثنا ، قال : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، أن أم كلثوم ابنة عقبة أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ، فيقول خيرا أو ينمي خيرا ، ولم يرخص في شيء مما يقول الناس : إنه كذب إلا في ثلاث : في الحرب ، وإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها .

2919 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثنا كثير بن عبيد ، عن محمد بن حرب ، عن الزبيدي ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن أن أم كلثوم ابنة عقبة حدثته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، ثم ذكر مثله .

[ ص: 361 ] قال : وكان في هذا الحديث أيضا نفي رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب عمن كانت هذه الأحوال منه ، وكان فيه ، ولم يرخص في شيء مما يقول الناس : إنه كذب ، أي : لظاهره عندهم ، وليس قائله بكذاب إذ كان لم يرد به الكذب إنما أراد معنى سواه ، فكان في ذلك نفي الكذب مما كان منه .

2920 - ووجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : أنبأنا الحسن بن محمد ، يعني : الزعفراني ، قال : حدثنا عبد الأعلى ، قال : حدثنا وهيب ، قال : حدثنا أيوب ، ومعمر ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أم كلثوم ابنة عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليس بكذاب من أصلح بين الناس ، أو قال خيرا أو نمى خيرا .

قال : فكان الكلام في هذا كالكلام فيما رويناه قبله في الفصل [ ص: 362 ] الثاني من الفصلين اللذين تقدمت روايتنا لهما في هذا الباب .

فقال قائل : فقد روي حديث أم كلثوم هذا بمثل ما روي به حديث أسماء ، فذكر ما .

2913 - قد حدثنا به إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، قال : حدثت عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أمه أم كلثوم ابنة عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في الكذب في ثلاثة : في الحرب ، وفي قول الرجل لامرأته ، وفي الصلح بين الناس .

2921 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير .

2922 - وحدثنا محمد بن خزيمة ، وفهد ، قالا : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال كل واحد منهما : حدثني الليث ، عن ابن الهاد ، عن عبد [ ص: 363 ] الوهاب ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أم كلثوم ابنة عقبة ، قالت : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : لا أعده كذابا الرجل يصلح بين الناس ، يقول القول لا يريد به إلا الإصلاح ، والرجل يقول القول في الحرب ، والرجل يحدث امرأته ، والمرأة تحدث زوجها .

[ ص: 364 ] [ ص: 365 ] فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل : أن حديث إبراهيم بن أبي عاصم فاسد الإسناد ؛ لأن ابن جريج إنما حدث به عن رجل مجهول عن ابن شهاب ، وأما حديث عبد الوهاب فإن الذي فيه حكاية عن بعض رواته أن هذه الأشياء رخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا بأس بالكذب في تلك الأشياء ، إنما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في ذلك في تلك الأشياء ، وكان الذي فيه من ذكر الكذب يحتمل أن يكون ما عده قائل ذلك من رواة هذا الحديث كذبا ليس كذبا في الحقيقة ، وإنما هو لظنه ذلك .

وفي ذلك ما قد وقفنا به على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك يوافق ذلك الباب .

فإن قال قائل : وهل يباح التعريض في مثل هذا ، حتى يكون المخاطب يقع في قلبه خلاف حقيقة كلام من يخاطبه ؟

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه : أن ذلك مما [ ص: 366 ] لا بأس به .

قال : وهو في كتاب الله - عز وجل - في قصة موسى عليه السلام مع صاحبه لما قال له : لا تؤاخذني بما نسيت ، ليس لأنه نسي ، ولكنه على معاريض الكلام ، ومثل ذلك ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : الحرب خدعة .

2923 - كما حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا محمد بن كثير ، قال : حدثنا سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن ذي حدان ، عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمى الحرب خدعة .

[ ص: 367 ]

2924 - وكما حدثنا يزيد بن سنان ، وإبراهيم بن مرزوق جميعا ، قالا : حدثنا أبو عاصم ، قال : أنبأنا ابن جريج ، قال : أخبرني أبو الزبير ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الحرب خدعة .

2925 - وكما حدثنا عبد الرحمن بن الجارود ، وعلي بن عبد [ ص: 368 ] الرحمن قالا : حدثنا فضالة بن المفضل بن فضالة بن عبيد القتباني ، قال : حدثني أبي ، عن محمد بن عجلان ، عن أبي الزناد ، عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله .

فكان في ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب أنها كذلك ما قد عقلنا به أن الكلام الذي يراد به الحرب هو الكلام الذي يكون ظاهره معنى يخيف أهل الحرب ، وإن كان باطنه مما يريده به المتكلمون به خلاف ذلك ، وإذا كان ذلك كذلك في الحرب عقلنا به أن المرخص فيه في الحرب في الآثار المتقدمة في هذا الباب هو هذا المعنى بعينه لا ما سواه ، وإذا كان ذلك كذلك في الحرب كان الذي يصلح به الرجل بين الناس ، والذي يصلح به قلب زوجته ، والذي تصلح به الزوجة قلب زوجها ، هو هذا المعنى أيضا ، لا الكذب ، وقد حقق ذلك أيضا في حديث أم كلثوم ، ولم يرخص في شيء مما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث ، أي مما يقول الناس إنه : [ ص: 369 ] كذب ، وليس بكذب ، وهذه المعاني هي الأولى بأهل العلم أن يحملوا أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها ، وفيما روينا من أحاديث أم كلثوم هذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس الكذاب الذي يمشي يصلح بين الناس ، فينمي خيرا أو يقوله ، وفي ذلك نفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن كانت تلك حاله الكذب ، وإذا انتفى عنه بذلك الكذب انتفى عمن كان منه الكذب أيضا ، وثبت أن الذي كان في ذلك هو المعاريض لا ما سواها .

وقد روي في المعاريض عن عمر بن الخطاب ، وعمران بن حصين رضي الله عنهما ما قد

حدثنا أحمد بن أبي عمران ، قال : حدثنا علي بن الجعد ، قال : حدثنا أبو محمد الرازي ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان قال : قال عمر رضي الله عنه : أما في المعاريض ما يغني المسلم عن الكذب ؟

[ ص: 370 ] وما قد .

حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن مطرف بن عبد الله قال : صحبت عمران بن حصين من الكوفة إلى البصرة ، فما كان يأتي علينا يوم إلا أنشدنا عليه شعرا ، وقال : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب .

قال : وهذه المعاني التي خرجنا معاني هذه الآثار عليها ، فأما حديث أسماء ابنة يزيد الذي فيه التصريح بما صرح به فيه ، فإنما دار على عبد الله بن عثمان بن خثيم ، وهو رجل مطعون في روايته ، منسوب إلى سوء الحفظ ، وإلى قلة الضبط ، ورداءة الأخذ .

[ ص: 371 ] وأما حديث أم كلثوم ، فمن رواه من أهل العلم الذين يؤخذ مثله عنهم ، فإنما ذكر فيه نفي الكذب ، منهم مالك بن أنس ، ومنهم صالح بن كيسان ، وزاد على مالك فيه أن الذي رخص فيه ، فذكر تلك الأشياء ، ثم قال : مما يقول الناس إنه كذب ، فأضاف الكذب إلى قول الناس في تلك الأشياء ، لا إلى حقائق تلك الأشياء ، والله نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية