الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              207 باب: عرض الفتن على القلوب، ونكتها فيها

                                                                                                                              وقال النووي - في الجزء الأول -: (باب رفع الأمانة والإيمان، من بعض القلوب، وعرض الفتن على القلوب).

                                                                                                                              (حديث الباب)

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 170 - 174 ج2، المطبعة المصرية

                                                                                                                              (وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبو خالد يعني: سليمان بن حيان - عن سعد بن طارق، عن ربعي، عن حذيفة؛ قال:

                                                                                                                              [ ص: 259 ] كنا عند عمر. فقال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذكر الفتن ؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره ؟ قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة، والصيام، والصدقة. ولكن أيكم سمع النبي صلى الله عليه وسلم، يذكر الفتن، التي تموج موج البحر ؟ قال حذيفة: فأسكت القوم. فقلت: أنا. قال: أنت، لله أبوك!

                                                                                                                              قال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير: عودا عودا. فأي قلب أشربها: نكت فيه نكتة سوداء. وأي قلب أنكرها: نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين؛ على أبيض مثل الصفا. فلا تضره فتنة، ما دامت السماوات والأرض. والآخر أسود مربادا، كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا. إلا ما أشرب من هواه».


                                                                                                                              قال حذيفة: وحدثته: أن بينك وبينها بابا مغلقا، يوشك أن يكسر. قال عمر: أكسرا ؟ لا أبا لك! فلو أنه فتح: لعله كان يعاد. قلت: لا. بل يكسر.

                                                                                                                              وحدثته: أن ذلك الباب: رجل يقتل، أو يموت: حديثا ليس بالأغاليط.

                                                                                                                              [ ص: 260 ] قال أبو خالد: فقلت لسعد: يا أبا مالك! ما أسود مربادا ؟ قال شدة البياض، في سواد. قال: قلت فما الكوز مجخيا ؟ قال: منكوسا).

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              (عن حذيفة رضي الله عنه؛ قال: كنا عند عمر. فقال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم، يذكر الفتن ؟ فقال قوم: نحن سمعناه.

                                                                                                                              فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل، في أهله وماله، وجاره).

                                                                                                                              وفتنة الرجل في هذه: ضروب من فرط محبته لهم، وشحه عليهم، وشغله بهم: عن كثير من الخير. كما قال تعالى: إنما أموالكم وأولادكم فتنة .

                                                                                                                              أو لتفريطه: بما يلزم من القيام بحقوقهم، وتأديبهم، وتعليمهم. فإنه راع لهم، ومسئول عن رعيته.

                                                                                                                              وكذلك فتنة الرجل في جاره: من هذا. فهذه كلها: فتن تقتضي المحاسبة.

                                                                                                                              [ ص: 261 ] ومنها ذنوب، يرجى تكفيرها بالحسنات. كما قال تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات .

                                                                                                                              (قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة، والصيام، والصدقة. ولكن أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم، يذكر التي تموج موج البحر ؟) أي: تضطرب، ويدفع بعضها بعضا.

                                                                                                                              وشبهها (بموج البحر): لشدة عظمها، وكثرة شيوعها. (قال حذيفة: فأسكت القوم): بقطع الهمزة المفتوحة.

                                                                                                                              قال جمهور أهل اللغة: «سكت، وأسكت» لغتان، بمعنى: (صمت).

                                                                                                                              وقال الأصمعي: «سكت»: صمت، «وأسكت»: أطرق.

                                                                                                                              وإنما سكت القوم: لأنهم لم يكونوا يحفظون هذا النوع، من الفتنة.

                                                                                                                              وإنما حفظوا النوع الأول.

                                                                                                                              فقلت: أنا. قال: أنت، لله أبوك!) كلمة مدح، تعتاد العرب الثناء بها. فإن الإضافة إلى العظيم: تشريف. ولهذا، يقال: «بيت الله، وناقة الله».

                                                                                                                              قال صاحب التحرير: فإذا وجد من الولد ما يحمد، قيل له: «لله أبوك !» حيث أتى بمثلك.

                                                                                                                              [ ص: 262 ] (قال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم، يقول: تعرض الفتن على القلوب) أي: تلصق (كالحصير)، يلصق بجنب النائم، ويؤثر فيه: شدة التصاقها (عودا عودا). هذان الحرفان، مما اختلف في ضبطه، على ثلاثة أوجه ؛ أظهرها وأشهرها: بضم العين، وبالدال. والثاني: بفتح العين، وبالدال. والثالث: بفتح العين، وبالذال المعجمة.

                                                                                                                              ولم يذكر صاحب التحرير: غير الأول. وأما عياض ؛ فذكر هذه الأوجه الثلاثة، عن أئمتهم. واختار الأول أيضا.

                                                                                                                              قال: واختار شيخنا «ابن سراج»: فتح العين والدال. قال: ومعناه: تعاد وتكرر، شيئا بعد شيء.

                                                                                                                              قال «ابن سراج»: ومعناه بالذال المعجمة: سؤال الاستعاذة منها. كما يقال: غفرا غفرا، وغفرانك. أي: نسألك أن تعيذنا من ذلك، وأن تغفر لنا.

                                                                                                                              [ ص: 263 ] وقال الأستاذ «ابن سليمان»: معناه: تظهر على القلوب. أي: تظهر لها فتنة بعد أخرى.

                                                                                                                              وقوله: «كالحصير» أي: كما ينسج الحصير «عودا عودا»، وشطبة بعد أخرى.

                                                                                                                              قال عياض: وعلى هذا يترجح رواية: «ضم العين». وذلك أن ناسج الحصير - عند العرب - كلما صنع عودا: أخذ آخر، ونسجه.

                                                                                                                              فشبه «عرض الفتن على القلوب» واحدة بعد أخرى: «بعرض قضبان الحصير، على صانعها» واحدا بعد واحد.

                                                                                                                              قال عياض: وهذا معنى الحديث، عندي. وهو الذي يدل عليه: سياق لفظه، وصحة تشبيهه. والله أعلم.

                                                                                                                              (فأي قلب أشربها: نكت فيه نكتة سوداء. وأي قلب أنكرها: نكت فيه نكتة بيضاء).

                                                                                                                              معنى «أشربها»: دخلت فيه دخولا تاما، وألزمها، وحلت منه: محل الشراب. ومنه قوله تعالى: وأشربوا في قلوبهم العجل أي: حب العجل.

                                                                                                                              ومنه قولهم: «ثوب مشرب بحمرة» أي: خالطته الحمرة، مخالطة لا انفكاك لها.

                                                                                                                              [ ص: 264 ] ومعنى «نكت نكتة»: نقط نقطة.

                                                                                                                              قال «ابن دريد»، وغيره: كل نقطة في شيء بخلاف لونه: فهو نكت.

                                                                                                                              ومعنى أنكرها: ردها. (حتى يصير على قلبين ؛ على أبيض مثل الصفا. فلا تضره فتنة، ما دامت السموات والأرض.

                                                                                                                              والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا. إلا ما أشرب من هواه.

                                                                                                                              قال عياض: ليس تشبيهه بالصفا: بيانا لبياضه. لكن صفة أخرى، لشدته على عقد الإيمان، وسلامته من الخلل. وأن الفتن: لم تلصق به، ولم تؤثر فيه، كالصفا. وهو الحجر الأملس، الذي لا يعلق به شيء.

                                                                                                                              «ومربادا» كذا هو في الرواية، وأصول بلاد النووي. وهو منصوب على الحال.

                                                                                                                              وذكر عياض: خلافا في ضبطه، وأن منهم: من ضبطه كما ذكرناه.

                                                                                                                              ومنهم: من رواه: «مربئد» بهمزة مكسورة، بعد الباء. قال عياض: وهذه رواية أكثر شيوخنا. وأصله: أن لا يهمز. ويكون «مربد» [ ص: 265 ] مثل مسود، ومحمر. وكذا ذكره أبو عبيد، والهروي، وصححه بعض شيوخنا، عن «مروان بن سراج». لأنه من «اربد». إلا على لغة من قال: «احمأر» بهمزة بعد الميم، لالتقاء الساكنين. فيقال: «اربأد ومربئد». والدال مشددة على القولين. وسيأتي تفسيره.

                                                                                                                              وأما قوله: «مجخيا»: فهو بميم مضمومة، ثم جيم مفتوحة، ثم خاء معجمة مكسورة". معناه: مائلا. كذا، قاله الهروي، وغيره.

                                                                                                                              وفسره الراوي - في الكتاب - بقوله: «منكوسا». وهو قريب من معنى «المائل».

                                                                                                                              قال عياض: قال لي «ابن سراج»: ليس قوله «كالكوز مجخيا»: تشبيها لما تقدم من سواده. بل هو وصف آخر من أوصافه: بأنه قلب نكس، حتى لا يعلق به خير، ولا حكمة. ومثله بالكوز المجخي. وبينه بقوله: «لا يعرف» إلخ.

                                                                                                                              قال عياض: شبه القلب الذي لا يعي خيرا: بالكوز المنحرف، الذي لا يثبت الماء فيه.

                                                                                                                              وقال «صاحب التحرير»: معنى الحديث: أن الرجل إذا تبع هواه، أو ارتكب المعاصي: دخل قلبه «بكل معصية يتعاطاها»: ظلمة. وإذا [ ص: 266 ] صار كذلك افتتن، وزال عنه نور الإسلام. والقلب مثل الكوز، فإذا انكب: انصب ما فيه. ولم يدخله شيء بعد ذلك.

                                                                                                                              (قال حذيفة: وحدثته أن بينك وبينها: بابا مغلقا، يوشك أن يكسر.

                                                                                                                              قال عمر: أكسرا، لا أبا لك ؟ فلو أنه فتح: لعله كان يعاد. قال: لا. بل يكسر).

                                                                                                                              أي: أيكسر كسرا ؟ فإن المكسور لا يمكن إعادته، بخلاف المفتوح.

                                                                                                                              ولأن الكسر: لا يكون غالبا، إلا عن إكراه وغلبة، وخلاف عادة.

                                                                                                                              وقوله: «لا أبا لك !» قال صاحب التحرير: هذه كلمة تذكرها العرب: للحث على الشيء.

                                                                                                                              ومعناها: إن الإنسان إذا كان له أب، وحزبه أمر، ووقع في شدة: عاونه أبوه، ورفع عنه بعض الكل، فلا يحتاج من الجد والاهتمام: إلى ما يحتاج إليه حالة الانفراد، وعدم الأب المعاون.

                                                                                                                              فإذا قيل: «لا أبا لك». فمعناه. جد في هذا الأمر وشمر، وتأهب تأهب من ليس له معاون. والله أعلم.

                                                                                                                              (وحدثته: أن ذلك الباب: رجل يقتل، أو يموت: حديثا ليس بالأغاليط).

                                                                                                                              [ ص: 267 ] أما الرجل الذي يقتل، فقد جاء مبينا في الصحيح: أنه «عمر بن الخطاب»، رضي الله عنه.

                                                                                                                              وقوله: «أو يموت» يحتمل: أن يكون «حذيفة» رضي الله عنه ؛ سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (هكذا على الشك). فالمراد به: الإبهام على حذيفة، وغيره.

                                                                                                                              ويحتمل أن يكون «حذيفة» علم: أنه يقتل. ولكنه كره: أن يخاطب عمر بالقتل. فإن عمر، كان يعلم أنه هو الباب. كما جاء مبينا في الصحيح: (أن عمر كان يعلم من الباب، كما يعلم أن قبل غد الليلة). فأتى حذيفة بكلام، يحصل منه الغرض. مع أنه ليس إخبارا لعمر، بأنه يقتل.

                                                                                                                              وأما «الأغاليط»: فجمع «أغلوطة». وهي التي يغالط بها. فمعناه: حدثته حديثا صدقا محققا، ليس هو من صحف الكتابين، ولا من اجتهاد ذي رأي. بل من حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

                                                                                                                              والحاصل: أن الحائل بين الفتن والإسلام: «عمر»، رضي الله عنه. وهو الباب. فما دام حيا، لا تدخل الفتن. فإذا مات: دخلت الفتن. وكذا كان. والله أعلم.

                                                                                                                              (قال أبو خالد: فقلت لسعيد: يا أبا مالك ! ما أسود مربادا ؟

                                                                                                                              [ ص: 268 ] فقال: شدة البياض، في سواد).

                                                                                                                              قال عياض: كان بعض شيوخنا، يقول: إنه تصحيف. وهو قول القاضي «أبي الوليد الكناني».

                                                                                                                              قال: أرى أن صوابه: «شية البياض، في سواد». وذلك: أن شدة البياض في سواد: لا يسمى «ربدة». وإنما يقال لها: «بلق»، إذا كان في الجسم. وحورا: إذا كان في العين.

                                                                                                                              «والربدة إنما هو شيء من بياض يسير، يخالط السواد، كلون أكثر النعام.

                                                                                                                              ومنه: قيل للنعامة: ربدا. فصوابه: شية البياض، لا شدة البياض.

                                                                                                                              [ ص: 269 ] قال أبو عبيد عن أبي عمرو: «والربدة»: لون بين السواد والغبرة.

                                                                                                                              وقال «ابن دريد»: الربدة: لون أكدر. وقال غيره: هي أن يختلط السواد بكدرة.

                                                                                                                              وقال الحربي: لون النعام: بعضه أسود، وبعضه أبيض. ومنه: «اربد لونه»، إذا تغير، ودخله سواد.

                                                                                                                              وقال «نفطويه): المربد: الملمع بسواد وبياض. ومنه: «تربد لونه». أي: تلون. والله أعلم.

                                                                                                                              (قال: قلت: فما الكوز مجخيا ؟ قال: منكوسا) تقدم الكلام على ذلك قريبا. فراجعه.

                                                                                                                              وحديث الباب هذا، رواه مسلم أيضا: مختصرا، في آخر الصحيح. وأورده النووي، في (كتاب الفتن، وأشراط الساعة) فليعلم. والله أعلم.




                                                                                                                              الخدمات العلمية