الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              1319 باب تحسين الصوت بقراءة القرآن

                                                                                                                              وقال النووي - في الجزء الثاني - : (باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن ) .

                                                                                                                              [ ص: 605 ] (حديث الباب )

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي ، ص 79 ج6 ، المطبعة المصرية

                                                                                                                              (عن أبي هريرة ؛ أنه سمع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : «ما أذن الله لشيء ؛ ما أذن لنبي حسن الصوت : يتغنى بالقرآن ، يجهر به » .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              (عن أبي هريرة رضي الله عنه ؛ أنه سمع رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، يقول : « ما أذن الله لشيء ؛ كما أذن لنبي حسن الصوت : يتغنى بالقرآن ، يجهر به » ) .

                                                                                                                              «أذن » : بكسر الذال . قال النووي : قال العلماء : «أذن » في اللغة الاستماع .

                                                                                                                              ومنه قوله تعالى : «وأذنت لربها » .

                                                                                                                              قالوا : ولا يجوز : أن تحمل - هنا - على الاستماع بمعنى «الإصغاء » ؛ فإنه يستحيل على الله تعالى ، بل هو مجاز . ومعناه «الكناية » : عن تقريبه القاري ، وإجزال ثوابه . لأن سماع الله تعالى : [ ص: 606 ] لا يختلف ، فوجب تأويله . انتهى .

                                                                                                                              وأقول : هذا الذي قاله النووي ، لا أرتضي به . فإن الحديث : صريح واضح في الاستماع ، وثبوت الإذن . «وصفة السمع والبصر » : صفتان مستقلتان ، كما أن «العين ، واليد ، والقدم ، والساق ، ونحوها » : صفات مستقلة ، نطق بها الأدلة الصحيحة ، المحكمة ، الثابتة في الكتاب والسنة . ولا ملجئ إلى تأويله ، كما لا ملجئ لتأويلها ، بل حكم جميع الصفات «أي صفة كانت » : حكم واحد ، لا سبيل لنا إلى كشف إجرائها ، غير الإيمان بها : بلا كيف ، ولا تعطيل ، ولا تشبيه ، ولا تمثيل .

                                                                                                                              ومعنى «يتغنى بالقرآن » - عند الشافعي ، وأصحابه ، وأكثر العلماء : من الطوائف وأصحاب الفنون - : يحسن صوته به .

                                                                                                                              وعند سفيان بن عيينة : «يستغني به » . أي : عن الناس . وقيل : عن غيره من الأحاديث والكتب .

                                                                                                                              قال عياض : القولان منقولان عن « ابن عيينة » . قال : يقال : «تغنيت ، وتغانيت » بمعنى : «استغنيت » .

                                                                                                                              وقال الشافعي وموافقوه : معناه : «تحزين القراءة ، وترقيقها » واستدلوا بالحديث الآخر : « زينوا القرآن بأصواتكم » .

                                                                                                                              [ ص: 607 ] قال الهروي : معنى «يتغنى به » : يجهر به . وأنكر أبو جعفر الطبري : تفسير من قال «يستغني به » وخطأه : من حيث اللغة ، والمعنى .

                                                                                                                              والخلاف جار في الحديث الآخر : «ليس منا : من لم يتغن بالقرآن » . والصحيح : أنه من تحسين الصوت . وتؤيده : الرواية الأخرى : «يتغنى بالقرآن : يجهر به » . انتهى كلام النووي . وبمثله : فسره في البخاري .

                                                                                                                              ويؤيد «حسن الصوت » : رواية المزمار الآتية .

                                                                                                                              ولا شك أن المراد بالتغني : ما كانوا يتغنون به ، على عهد النبوة . أي قدر ما يحسنون الصوت ، ويجهرون به ، لا هذه الأصول المحدثة [ ص: 608 ] للتجويد والتبديل ، التي يتعاطاها القراء ، ويحصل لهم بها : عوج الفم ، والأنف ، والعين ، والشفتين ، وزعج في الأطراف والأعضاء . فهذه بدعة ، بقيت فيها أصحابها . وتفصى وتفلت ، وانفصل ، القرآن بسببها : من صدور الرجال ، أشد تفصيا من النعم بعقلها .




                                                                                                                              الخدمات العلمية