الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 410 ] 994 - باب بيان مشكل ما روي في السبب الذي نزل فيه قوله تعالى : " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " ، وما كان من النبي صلى الله عليه وسلم عند نزولها مما أعلم الناس به المراد بها .

6117 - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، حدثنا أبو بكر بن أبي أويس ، حدثني سليمان بن بلال ، عن زيد بن أسلم .

عن عبد الله بن عمر : أن رجلا أتى امرأته في دبرها ، فوجد في نفسه من ذلك وجدا شديدا ، فأنزل الله تعالى نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " .

6118 - وحدثنا أحمد بن داود قال : حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب ، حدثنا عبد الله بن نافع ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار .

[ ص: 411 ] [ ص: 412 ] [ ص: 413 ] [ ص: 414 ] [ ص: 415 ] عن أبي سعيد أن رجلا أصاب امرأته في دبرها ، فأنكر الناس ذلك عليه وقالوا : أثفرها . فأنزل الله تعالى نساؤكم حرث لكم فأتوا [ ص: 416 ] حرثكم أنى شئتم " .

ففي هذين الحديثين ما قد ذكر قوم أنهم استدلوا به على الإباحة لهذا المعنى المذكور فيها ، فتأملنا ما روي في ذلك من غير هذين الحديثين .

6119 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن محمد بن المنكدر .

عن جابر بن عبد الله : أن اليهود قالوا : من أتى امرأته في فرجها من دبرها خرج ولده أحول ، فأنزل الله تعالى : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " .

[ ص: 417 ]

6120 - ووجدنا يونس قد حدثنا قال : حدثنا ابن وهب ، حدثنا سفيان الثوري : أن محمد بن المنكدر ، حدثه عن جابر بن عبد الله مثله .

6121 - ووجدنا أبا شريح محمد بن زكريا قد حدثنا قال : حدثنا الفريابي ، حدثنا سفيان الثوري ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله مثله .

6122 - ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا قال : حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا شعبة ، عن محمد بن المنكدر .

عن جابر قال : قالت اليهود : إذا أتى الرجل أهله باركة جاء [ ص: 418 ] ولده أحول ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " .

6123 - ووجدنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قد حدثنا قال : حدثنا أشهب بن عبد العزيز ، عن مالك بن أنس ، أخبرنا محمد بن المنكدر .

عن جابر بن عبد الله أنه قال : إن اليهود قالوا : إذا أتى الرجل امرأته مدبرة جاء ولده أحول ، فأنزل الله تعالى : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " .

6124 - ووجدنا فهد بن سليمان قد حدثنا قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث بن سعد قال : حدثني يزيد بن عبد الله بن الهاد ، عن أبي حازم ، عن محمد بن المنكدر .

عن جابر بن عبد الله أنه كان يقول : إن اليهود كانت تقول : [ ص: 419 ] إذا أتيت المرأة في قبلها من دبرها ثم حملت كان ولدها أحول ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " .

فكان ما في هذه الآثار مما يدفع ذلك .

6125 - ووجدنا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا قال : حدثنا المقدمي ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا أبي قال : سمعت النعمان بن راشد يحدث عن الزهري ، عن محمد بن المنكدر .

عن جابر بن عبد الله أن يهوديا قال : إذا نكح الرجل امرأته مجبية خرج ولدها أحول ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ; يعني : إن شئت مجبية وإن شئت غير مجبية ، إذا كان في صمام واحد .

[ ص: 420 ]

6126 - وحدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني ابن جريج أن محمد بن المنكدر حدثه . عن جابر بن عبد الله أن اليهود قالوا للمسلمين : من أتى امرأة مدبرة جاء ولدها أحول ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مقبلة ومدبرة ما كان في الفرج من قبلها ، لا إلى ما سواه .

فعادت هذه الآثار في الحظر لوطء النساء في أدبارهن ، لا إلى الإباحة لذلك .

وقد ذكر قوم أن الآية كان نزولها في غير هذا المعنى ، وذكر في ذلك .

6127 - ما قد حدثنا ... الحسن بن موسى الأشيب ، حدثنا يعقوب بن عبد الله القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير .

عن ابن عباس أنه قال : جاء عمر - رضي الله عنه - إلى النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 421 ] فقال : يا رسول الله ، هلكت ! قال : وما أهلكك ؟ قال : حولت رحلي البارحة ، فلم يرد عليه شيئا ، فأوحى الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : نساؤكم حرث لكم ؛ أقبل وأدبر ، واتق الدبر والحيضة .

فكان في هذا الحديث أن سبب نزول هذه الآية غير السبب الذي ذكر فيما تقدم مما ذكرناه ، وفيما تقدم منا في هذا الباب ، وكان فيه المنع من وطء النساء في أدبارهن كالمنع من وطئهن في حيضهن ، فكان [ ص: 422 ] في هذا الحديث إنما دار على ابن عباس .

فنظرنا هل روي عن ابن عباس ما يخالفه أم لا . ؟

6128 - فوجدنا الربيع بن سليمان الجيزي قد حدثنا قال : حدثنا أبو الأسود ، أخبرنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب : أن عامر بن يحيى المعافري حدثه أن حنش بن عبد الله السبئي حدثه أنه سمع .

ابن عباس يقول : إن ناسا من حمير أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن النساء ، فأنزل الله : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائتها مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج .

[ ص: 423 ] ففي هذا الحديث أن سبب نزول هذه الآية في خلاف السبب المذكور نزولها فيه لما سبقت روايتنا له عن ابن عباس في هذا الباب ، والمنع من إتيان النساء فيما سوى فروجهن .

ووجدنا فهد بن سليمان قد حدثنا قال : حدثنا علي بن معبد ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن أبي إسحاق ، عن زائدة بن عمير الطائي قال :

سألت ابن عباس عن العزل ، فقال : قد أكثرتم ، فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه شيئا فهو كما قال ، وإن لم يكن قال فيه صلى الله عليه وسلم فأنا أقول فيه : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ، فإن شئتم فاعزلوا ، وإن شئتم فلا تعزلوا ؛ أي ذلك فعلتم فلا بأس .

فهذا ابن عباس قد حمل تأويل الآية على خلاف ما روي عنه مما ذكر أن نزولها كان فيه .

ثم نظرنا : هل روي في نزولها شيء عن غير ابن عباس وعن غير من ذكرنا في هذا الباب سواه . ؟

فوجدنا يزيد بن سنان قد حدثنا قال : حدثنا زكريا بن يحيى [ ص: 424 ] كاتب العمري ، حدثنا المفضل بن فضالة ، عن عبد الله ، عن كعب بن علقمة ، عن أبي النضر أنه أخبره .

أنه قال لنافع مولى عبد الله بن عمر : إنه قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر : إنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن . قال نافع : كذبوا علي ، ولكني سأخبرك كيف كان الأمر ، إن ابن عمر عرض المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ قوله عز وجل : نساؤكم حرث لكم ، قال : يا نافع ، هل تعلم من أمر هذه الآية ؟ قال : قلت : لا . قال : إنا كنا معشر قريش نجبي النساء ، فلما دخلنا المدينة ، ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن مثل الذي نريد ، فإذا هن قد كرهن وأعظمن ذلك ، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود ، إنما يؤتين على جنوبهن ، فأنزل الله تعالى : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " .

[ ص: 425 ] فكان في هذا الحديث عن ابن عمر أن نزول هذه الآية كان للمعنى المذكور نزولها فيه ، لا لما سوى ذلك من إباحته لوطء النساء في أدبارهن .

فقال قائل : فقد روي عن ابن عمر إباحته ، وذكر .

ما قد حدثنا أبو قرة محمد بن حميد الرعيني ، حدثنا أصبغ بن الفرج ، وأبو زيد بن أبي الغمر ، قالا : قال ابن القاسم : وحدثني مالك قال : حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن أبي الحباب سعيد بن يسار .

أنه سأل ابن عمر عنه ; يعني : وطء النساء في أدبارهن ، فقال : لا بأس به .

[ ص: 426 ] فكان جوابنا له : أنه قد روي عن ابن عمر من ناحية سعيد بن يسار ما يخالف هذا .

كما حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا عبد الله بن وهب ، حدثنا الليث بن سعد ، عن الحارث بن يعقوب ، عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال : قلت : لابن عمر ما تقول : في الجواري أحمض لهن ؟ قال : وما التحميض ؟ فذكرت الدبر ، فقال : وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين ؟! .

فهذا ابن عمر قد روي عنه ضد ما ذكرت ، وإذا كان ذلك كذلك كان كأنه لم يرو عنه فيه ، ولقد قال ميمون بن مهران في ذلك .

ما قد حدثنا فهد بن سليمان ، وإسحاق بن محمد بن معمر قالا : حدثنا علي بن معبد قال : حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن ميمون بن مهران ، وذكر له عن نافع ما حكي عنه من إباحة وطء النساء في [ ص: 427 ] أدبارهن ، فقال : إنما قال ذلك نافع بعدما كبر وذهب عقله .

وقد روي عن سالم نفي ذلك عن ابن عمر .

كما حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا ابن أبي مريم ، أخبرنا عطاف بن خالد ، عن موسى بن عبد الله بن الحسن .

أن أباه سأل سالم بن عبد الله أن يحدثه بحديث نافع عن ابن عمر : أنه كان لا يرى بأسا في إتيان النساء في أدبارهن ، فقال سالم : كذب العبد ، أو قال : أخطأ . إنما قال : لا بأس أن يؤتين في فروجهن من أدبارهن .

[ ص: 428 ] ثم نظرنا في سبب نزول هذه الآية هل روي فيه عن غير من ذكرنا شيء أم لا . ؟

6129 - فوجدنا فهدا قد حدثنا قال : حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل ، حدثنا وهيب بن خالد ، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم .

عن عبد الرحمن بن سابط قال : أتيت حفصة بنت عبد الرحمن ، فقلت : إني أريد أن أسألك عن شيء ، وإني أستحيي منك ، فقالت : سل يا ابن أخي عما بدا لك . قلت : عن إتيان النساء في أدبارهن . قالت : حدثتني أم سلمة أن الأنصار كانوا لا يجبون ، والمهاجرون يجبون ، وكانت اليهود تقول : من جبى خرج ولده أحول ، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا نساء الأنصار ، فنكح رجل من المهاجرين امرأة من الأنصار فجباها فأبت ، فأتت أم سلمة فذكرت ذلك لها ، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له أم سلمة ، فاستحيت الأنصارية فخرجت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ادعيها ، فدعتها ، فقال : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ، صماما واحدا .

[ ص: 429 ] فكان ما في هذا الحديث رد ما أبيح لهم بهذه الآية هو ما عاد إلى ذلك الصمام ، لا إلى ما سواه .

ثم نظرنا : هل روي في هذا الباب غير هذه الآثار . ؟

6130 - فوجدنا فهد بن سليمان قد حدثنا قال : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن حكيم الأثرم ، عن أبي تميمة .

عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو أتى كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد .

6131 - وكما حدثنا يونس ، حدثنا سفيان ، عن ابن الهاد ، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت .

عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله لا يستحيي من الحق ، [ ص: 430 ] لا تأتوا النساء في أدبارهن .

6132 - ووجدنا روح بن الفرج قد حدثنا قال : حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي ، حدثنا محمد بن علي قال :

كنت مع محمد بن كعب القرظي ، فسأله رجل : يا أبا حمزة ، ما ترى في إتيان النساء في أدبارهن ؟ فأعرض أو سكت ، وقال : هذا شيخ من قريش فاسأله - يعني عبد الله بن علي بن السائب - فقال عبد الله : اللهم قذر ، ولو كان حلالا قال : حدثني ، ولم يكن سمع في ذلك شيئا . قال : ثم أخبرني عبد الله بن علي أنه لقي عمرو بن أحيحة بن الجلاح ، فسأله عن ذلك ، فقال : أشهد لسمعت خزيمة بن ثابت الذي [ ص: 431 ] جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين يقول : أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إني آتي امرأتي من دبرها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم - قالها مرتين أو ثلاثا ، قال : ثم فطن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : في أي الخربتين ، أو في أي الخرزتين ، أو في أي الخصفتين ؟ أما من دبرها في قبلها فنعم ، وأما في دبرها فإن الله تعالى ينهاكم أن تأتوا النساء في أدبارهن .

6133 - ووجدنا محمد بن خزيمة قد حدثنا قال : حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا عبد العزيز بن المختار ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن الحارث بن مخلد .

عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا ينظر الله عز وجل إلى [ ص: 432 ] رجل وطئ امرأته في دبرها .

6134 - ووجدنا سليمان بن شعيب قد حدثنا قال : حدثنا الخصيب بن ناصح ، حدثنا همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هي اللواطة الصغرى . يعني وطء [ ص: 433 ] النساء في أدبارهن .

ووجدنا يزيد بن سنان قد حدثنا قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو - ولم يرفعه - قال في الذي يأتي امرأة في دبرها قال : اللواطة الصغرى .

وفي هذا الباب آثار أخر في تحريم هذا المعنى تركناها إذ كان [ ص: 434 ] في أسانيدها ما يمنع قبولها .

ثم رجعنا إلى تأويل قول الله عز وجل : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم .

فوجدنا الحرث إنما يطلب منه النسل ، وكان النسل موجودا في الوطء في الفرج ومعدوما في الوطء في غيره ، فدل أن المراد فيها هو ما أبيح منها مما يكون عنه النسل لا ما لا يكون عنه نسل ، وهكذا كان الفقهاء الكوفيون جميعا يذهبون إليه في هذا الباب .

التالي السابق


الخدمات العلمية