الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 41 ] 938 - باب بيان مشكل ما روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - في هذا المعنى .

5827 - حدثنا يونس ، حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى تحاذي منكبيه ، وإذا أراد أن يركع ، وبعد ما يرفع ، ولا يرفع بين السجدتين .

[ ص: 42 ]

5828 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا بشر بن عمر ، حدثنا مالك ، [ عن الزهري ] ، ثم ذكر بإسناده مثله .

فكان ما في هذا الحديث ، وكان لا يفعل ذلك بين السجدتين . لا يدرى من قول من هو ؟ وأنه من ابن عمر ، أو ممن هو دونه .

ففي هذا الحديث : الرفع عند افتتاح الصلاة ، وعند الركوع فيها ، وعند الرفع من الركوع فيها ، وإلى هذا كان يذهب الشافعي ، وكثير ممن يذهب إلى الرفع في الصلاة فيما سوى تكبيرة الافتتاح .

5829 - وقد حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام .

5830 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، حدثنا محمد بن عبد الأعلى قالا : حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت عبيد الله بن عمر ، عن الزهري ، عن سالم .

عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة ، وإذا أراد أن يركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، وإذا قام من الركعتين [ ص: 43 ] رفع يديه ، وذلك كله حذاء المنكبين .

ففي هذا الحديث مثل ما في الحديث الأول ، وزيادة عليه ، وهو الرفع من القعود إلى القيام فيما بعد الركعتين ، فعرفنا بما ذكرنا أنه [ ص: 44 ] [ ص: 45 ] [ ص: 46 ] لا ترفع الأيدي في الصلاة إلا في التكبيرة الأولى منها ، فإن احتج أحد بما في حديثي مالك ، وسفيان ، عن الزهري من اللذين ذكرنا أنه محجوج بما في حديث عبيد الله هذا ، عن الزهري من الرفع بعد القيام من القعود ، وما يلزم واحدا منه ، ومن مخالفه في ذلك أن لا يلزم الآخر منه مثله ، ولئن كان معذورا بخلافه بما رواه عبيد الله ، عن الزهري فيه ؛ إن خصمه لمعذور في تركه ما رواه مالك وسفيان فيه عن الزهري ; لأن عبيد الله ليس بدون مالك ، ولا بدون سفيان في هذا الحديث .

مع أنا قد وجدنا هذا الحديث من رواية نافع موافقا لما رواه عبيد الله في ذلك ، وزائدا عليه رفعا فيما سوى هذه المواضع المذكورات فيه .

5831 - كما حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا نصر بن علي الجهضمي ، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه في كل خفض ، ورفع ، وركوع ، وسجود ، وقيام ، وقعود بين السجدتين ، ويزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك .

[ ص: 47 ] وكان هذا الحديث من رواية نافع شاذا لما رواه عبيد الله .

وقد روي هذا الحديث عن نافع بخلاف ما رواه عنه عبيد الله .

5832 - وذكر ما قد حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا عبد الغفار بن داود ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن نافع .

عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه حذو منكبيه ، وإذا أراد أن يركع ، فعل مثل ذلك .

[ ص: 48 ] قال : فقد وافق ما رواه مالك وسفيان ، عن الزهري ، وخالف ما رواه عبيد الله عنه .

[ ص: 49 ] فكان جوابنا له في ذلك : أن أيوب ما روى شيئا عن نافع مما رواه عنه فيه غير أيوب بخلاف ما رواه عبيد الله .

ومما يحقق ما رواه عبيد الله عنه في ذلك أفعاله التي كان عليها في صلاته .

كما حدثنا أحمد بن داود بن موسى ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب قال : رأيت طاووسا ، ونافعا يرفعان أيديهما بين السجدتين قال حماد : ورأيت طاووسا ، وأيوب يفعلانه .

فكان فعل نافع هذا مما قد دل على ما رواه عنه من سواه ، وكان بما في هذا الحديث أيضا من تمسك أيوب بذلك ما قد دل على أن الأمر كان عنده فيه كذلك ، إما بأن يكون في حديث نافع تقصير عن ذكره ، أو يكون أخذه عن عبيد الله عن نافع ، فعمل به .

وقد كان حماد بن زيد يذهب في ذلك هذا المذهب أيضا .

حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا وهب بن جرير قال : كان حماد بن زيد يرفع يديه بين السجدتين .

وفيما ذكرنا تحقيق لما قد بينا في الباب مما يوجب قبول هذه الزيادة على ما في حديث مالك ، وسفيان عن الزهري [ و] إلا لزم [ ص: 50 ] مخالفته فيما رواه نافع عن ابن عمر ، وعبيد الله عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ; لأنه لا ينبغي ترك شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد قيام الحجة بما يوجب تركه ، بل من لا يرفع يديه في شيء من الصلاة إلا عند تكبيرة الافتتاح عذر في ذلك ؛ إذ كان قد روي عن ابن عمر مما كان عليه في ذلك بعد النبي - عليه السلام - بخلافه ، وما كان ابن عمر ليترك ما قد كان النبي - عليه السلام - يفعله إلا لما يوجب له ذلك من نسخ له ، أو مما سواه .

فقال قائل : فقد روى طاووس ، فيكون طاووس ، وابن عمر على ما كان عليه مما رواه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قامت عنده الحجة بما يوجب نسخ ذلك ، فتركه ، وصار إلى ما رآه مجاهد عليه ، هذا الأولى بنا في الآثار ، وفي حملها على هذا المعنى ، لا سيما وقد روينا عن عمر - رضي الله عنه - ما يوافق ذلك .

كما حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا الحماني ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن الحسن بن عياش ، عن عبد الملك بن أبجر ، عن الزبير بن عدي ، عن إبراهيم .

عن الأسود قال : رأيت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يرفع يديه في أول تكبيرة ، ثم لا يعود قال : ورأيت إبراهيم ، والشعبي يفعلان ذلك .

[ ص: 51 ]

وحدثنا ابن أبي داود ، حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا أبو بكر بن عياش قال : ما رأيت فقيها قط يفعله يرفع يديه في غير التكبيرة الأولى .

وإذا كان عمر ، وعلي ، وعبد الله بن مسعود ، وموضعهم من الصلاة [ ص: 52 ] مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موضع المهاجرين والأنصار ، ثم ابن عمر بعدهم على مثل ذلك ، لم يكن شيء مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في القبول أولى مما رووه عنه .

5833 - كما حدثنا أبو بكرة ، وابن مرزوق قالا : حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا شعبة ، عن أبي جمرة ، عن إياس بن قتادة ، عن قيس بن عباد قال :

قال لي أبي بن كعب : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : كونوا في الصف الذي يليني .

[ ص: 53 ]

5834 - وكما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا بشر بن عمر ، أخبرنا شعبة ، أخبرني سليمان الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن معمر .

عن أبي مسعود الأنصاري قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم .

[ ص: 54 ]

5835 - وكما حدثنا بكار بن قتيبة ، وعلي بن معبد قالا : حدثنا عبد الله بن بكر السهمي ، حدثنا حميد .

عن أنس . قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه .

وفيما رووا في هذا الباب كفاية عما سواه مما قد احتج به فيه .

التالي السابق


الخدمات العلمية