الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
2670 - "إن كان في شيء من أدويتكم خير؛ ففي شرطة محجم؛ أو شربة من عسل؛ أو لذعة بنار ؛ توافق داء؛ وما أحب أن أكتوي"؛ (حم ق ن)؛ عن جابر ؛ (صح) .

التالي السابق


(إن كان في شيء من أدويتكم خير) ؛ أي: شفاء؛ ذكره القرطبي ؛ وأتى هنا بصيغة الشرط؛ من غير تحقق الإخبار؛ وجاء في البخاري : "الشفاء في ثلاث..."؛ وذكرها؛ فحقق الخبر؛ (ففي) ؛ أي: فهو في؛ أي: فيكون في؛ (شرطة محجم) ؛ أي: استفراغ الدم؛ وهو بفتح الشين؛ ضربة مشراط على محل الحجم؛ ليخرج الدم؛ و"المحجم"؛ بالكسر: قارورة الحجام؛ التي يجتمع فيها الدم؛ وبالفتح: موضع الحجامة ؛ وهو المراد هنا؛ ذكره بعضهم؛ وقال القرطبي : المراد هنا الحديدة التي يشترط بها؛ قال في الفتح: وإنما خصه بالذكر لأن غالب إخراجهم الدم بالحجامة؛ وفي معناه إخراجه بالفصد؛ (أو شربة من عسل) ؛ أي: بأن [ ص: 32 ] يدخل في المعجزات المسهلة التي تسهل الأخلاط التي في البدن؛ والمراد به - حيث أطلق - عسل النحل؛ وفيه شفاء للناس؛ ومنافعه لا تكاد تحصى ؛ فمن أراد الوقوف عليها فعليه بكتب المفردات؛ أو الطب؛ واقتبس بعضهم من لفظ الشك أن ترك التداوي أفضل؛ يعني أنه فضيلة؛ تسليما للقضاء والقدر؛ (أو لذعة) ؛ وفي رواية: "أو كية"؛ (بنار) ؛ بذال معجمة؛ وعين مهملة؛ أي: حرقتها؛ والمراد: الكي؛ قال الزمخشري : و"اللذع الخفيف"؛ مس الإحراق؛ ومنه: "لذعه بلسانه"؛ وهو أذى يسير؛ ومنه قيل للذكي الفهم الخفيف: "لوذع"؛ و"لوذعي"؛ (توافق داء) ؛ فتذهبه؛ قال بعضهم: أشار به إلى جميع ضروب المعالجات القياسية؛ وذكر أن العلل منها ما هو مفهوم السبب؛ وغيره؛ فالأول لغلبة أحد الأخلاط الأربعة؛ فعلاجه باستفراغ الامتلاء مما يليق به من المذكورات في الحديث؛ فمنها ما يستفرغ بإخراج الدم بالشرط؛ وفي معناه نحو الفصد؛ ومنها ما يستفرغ بالعسل؛ وما في معناه من المسهلات؛ ومنها ما يستفرغ بالكي؛ فإنه يجفف رطوبة محل المرض؛ وهو آخر الطب؛ وأما ما كان من العلل عن ضعف بعض القوى؛ فعلاجه بما يقوي تلك القوة من الأشربة؛ ومن أنفعها العسل؛ إذا استعمل على وجهه؛ وما من العلل غير مفهوم السبب؛ كسحر؛ وعين؛ ونظرة جني؛ فعلاجه بالرقى؛ وأنواع من الخواص؛ وإلى هذا أشار بزيادته في رواية: "أو آية في كتاب الله" ؛ وقال القرطبي : إنما خص المذكورات لأنها أغلب أدويتهم؛ وأنفع لهم من غيرها؛ بحكم العادة؛ ولا يلزم كونها كذلك في حق غيرهم ممن يخالفهم في البلد؛ والعادة؛ والهوى؛ والمشاهدة قاضية باختلاف العلاج والأدوية؛ باختلاف البلاد والعادة؛ (وما أحب) ؛ أنا (أن أكتوي) ؛ لشدة ألم الكي ؛ فإنه يزيد على ألم المرض؛ فلا يفعل إلا عند عدم قيام غيره مقامه؛ ولأنه يشبه التعذيب بعذاب الله؛ انتهى؛ فإن قيل: أصل "إن"؛ الشرطية أن تستعمل في المشكوك؛ وثبوت الخيرية في شيء من أدويتهم لا على التعيين محقق عندهم؛ فما وجه "إن"؟ فالجواب: إنها قد تستعمل لتأكيد تحقق الجواب؛ كما يقال لمن يعلم أن له صديقا: "إن كان له صديق؛ فهو زيد".

(حم ق ن) ؛ من حديث عاصم ؛ (عن جابر ) ؛ ابن عبد الله ؛ قال: جاءنا جابر في أهلنا؛ ورجل يشتكي خراجا به؛ أو جراحا؛ فقال: ما تشتكي؟ فقال: خراح بي؛ قد شق علي؛ فقال: يا غلام؛ ائتني بحجام؛ فقال الغلام: ما تصنع به؟ قال: أريد أن أعلق عليه محجما؛ قال: والله إن الذباب ليصيبني؛ أو يصيب الثوب فيؤذيني؛ ويشق علي؛ فلما رأى تبريه من ذلك قال: "إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يقول:..." ؛ فذكره؛ فجاء بحجام؛ فشرطه؛ فذهب عنه ما يجد.




الخدمات العلمية