الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
4354 - "الذهب بالورق ربا؛ إلا ها؛ وها؛ والبر بالبر ربا؛ إلا ها؛ وها ؛ والتمر بالتمر ربا؛ إلا ها؛ وها؛ والشعير بالشعير ربا؛ إلا ها؛ وها"؛ مالك ؛ (ق)؛ عن عمر ؛ (صح) .

التالي السابق


(الذهب) ؛ أي: بيع الذهب مضروبا؛ أو غيره؛ بالورق ؛ بتثليث الراء: الفضة؛ مضروبة أو لا؛ (ربا) ؛ بالتنوين؛ من غير همز؛ (إلا ها؛ وها) ؛ بالمد؛ ويقصر؛ صوت بمعنى: "خذ"؛ ومنه هاؤم اقرءوا كتابيه ؛ وهي حرف خطاب؛ والمستثنى منه مقدر؛ يعني: هذا البيع ربا في كل حال؛ إلا حال حضورهما وتقابضهما؛ فكنى عن التقابض بـ "ها؛ وها"؛ أي: خذ وهات؛ لأنه لازمه؛ وفيه اشتراط التقابض في الصرف بالمجلس ؛ وهو مذهب الشافعية ؛ والحنفية ؛ ومذهب مالك : لا يجوز تراخي القبض فيه؛ ولو في المجلس؛ (والبر بالبر) ؛ بضم الموحدة فيهما؛ معروف؛ قال الراغب : سمي به لكونه أوسع ما يحتاج إليه في الغذاء؛ فإن أصل البر: التوسع في فعل الخير؛ أي: بيع أحدهما بالآخر ربا؛ (إلا) ؛ بيعا مقولا فيه من جهة المتعاقدين: (ها؛ وها) ؛ أي: يقول كل منهما للآخر: خذ؛ (والتمر بالتمر ربا؛ إلا ها؛ وها؛ والشعير) ؛ بفتح أوله؛ ويكسر؛ (بالشعير ربا؛ إلا ها؛ وها) ؛ فأراد أن البر والشعير صنفان؛ [ ص: 571 ] وعليه الجمهور؛ خلافا لأحمد ؛ وفيه أن النسيئة لا تجوز في بيع الذهب بالورق؛ وإذا امتنع فيهما ففي ذهب بذهب؛ أو ورق بورق.

(تنبيه) :

قال القونوي : اعلم أن مدار الربا على أصلين: الأوصاف؛ والأزمان؛ أما الأوصاف فلا شك أن الأشياء الربوية التي شرط فيها رعاية المساواة في الوزن؛ والكيل؛ أجسام مركبة من جواهر تلحقها أعراض؛ ولا ريب في علو مرتبة الجواهر على الأعراض؛ لتبعيتها في الوجود للجواهر؛ فهذه الأشياء الربوية من حيث ذاتها متماثلة؛ ومن حيث صفاتها مختلفة؛ فمتى لم نشرط التساوي بينها في المبالغة؛ كانت الزيادة الذاتية في مقابلة وصف عرضي؛ كمن اشترى مدا من حنطة بيضاء؛ أو كبيرة الحب؛ بمدين من حنطة سمراء؛ أو صغيرة الحب؛ فيكون المد الثاني الزائد ثمنا للبياض؛ وذلك ظلم؛ لأنه ساوى في الشرف والحكم بين الجواهر والأعراض؛ وليس بصحيح؛ وقس عليه بقية الربويات؛ كشعير؛ وملح؛ وتمر؛ فإنه لا يرجح شيء منها على مثله؛ إلا بنحو طعم؛ أو لون؛ وكلها أعراض؛ والتسوية بين الذوات والأعراض لا تصح؛ فهذا سر تحريم الربا؛ وكذا في الذهب والفضة؛ فإن الزيادة والترجيح لا يكون إلا بسبب الصناعة؛ أو تغيير الشكل؛ وذلك عرض؛ وأما تحريم الربا من حيث الزمان؛ فإن المقرض مائة دينار إلى سنة؛ بمائة وعشرين؛ جعل العشرين مقابل الزمان؛ والزمن المعين ليس موجودا بعد؛ ولا مملوكا للمقرض فيجوز له بيعه؛ فإن الزمان لله؛ ويحكم الله لا حكم لغيره عليه؛ والاشتراط الآخر في حق من راعى أمر المساواة في الزمان؛ كحصوله في كمية البيع؛ لأنه لو لم يكن كذلك كانت المسامحة في النسيئة والتأخر مددية؛ لتحكم مأمن الممهل على الزمان؛ فيكون من قبيل ما تقدم.

( مالك ) ؛ في الموطإ؛ (ق 4) ؛ في الربا؛ (عن عمر ) ؛ ابن الخطاب ؛ وفيه بقية.




الخدمات العلمية