الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
2780 - "أوحى الله (تعالى) إلى نبي من الأنبياء أن: قل لفلان العابد: أما زهدك في الدنيا؛ فتعجلت راحة نفسك ؛ وأما انقطاعك إلي؛ فتعززت بي؛ فماذا عملت فيما لي عليك؟ قال: يا رب! وماذا لك علي؟ قال: هل عاديت في عدوا؟ أو هل واليت في وليا؟" ؛ (حل خط)؛ عن ابن مسعود ؛ (ض) .

التالي السابق


(أوحى الله - تعالى - إلى نبي من الأنبياء) ؛ أي: أعلمه بواسطة الملك؛ جبريل ؛ أو غيره؛ و"الوحي"؛ لغة: إعلام في خفاء وسرعة؛ وشرعا: إعلام الله نبيه بما شاء؛ (أن: قل لفلان العابد) ؛ الملازم لعبادتي؛ (أما زهدك في الدنيا؛ فتعجلت به راحة نفسك) ؛ "الزاهد في الدنيا" : المنقطع للتعبد؛ إذ الزهد فيها يريح القلب والبدن؛ كما قال الشافعي - رضي الله (تعالى) عنه -:


أمت مطامعي فأرحت نفسي فإن النفس ما طمعت تهون وأحييت القنوع وكان ميتا
وفي إحيائه عرضي مصون



و"الراحة": زوال المشقة والتعب؛ كما في المصباح؛ وغيره؛ (وأما انقطاعك لي) ؛ أي: لأجل عبادتي؛ (فتعززت بي) ؛ أي: صرت بي عزيزا؛ (فماذا عملت فيما لي عليك؟ قال: يا رب؛ وماذا لك علي؟ قال) ؛ أي: الله؛ لنبيه؛ قل له: (هل عاديت في عدوا؛ أو واليت في وليا) ؛ زاد الحكيم في روايته: "وعزتي؛ لا ينال رحمتي من لم يوال في؛ ولم يعاد في" ؛ أهـ؛ فذلك العابد ظن أنه بزهده في الدنيا؛ وانقطاعه عن أهلها؛ قد بلغ الغاية؛ وارتقى النهاية؛ فأعلمه الله بأن ذلك مشوب بحظوظ نفسانية؛ وأن ترك بعض ما لا يزن كله عند الله جناح بعوضة؛ ليس بكبير أمر بالنسبة لأولئك الكمل؛ وإنما الذي عليه التعويل: التصلب في مباراة أعداء الله؛ ومباعدتهم؛ ومعاداتهم؛ أولئك حزب الشيطان ؛ فلا تجد شيئا أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله؛ ومعاداة أعداء الله؛ بل هو الإخلاص بعينه؛ فإذا أحببت الأشياء من أجله؛ وعاديت الأشياء من أجله؛ فقد أحببته؛ بل ليس معنى حبنا له غير ذلك؛ ذكره العارف ابن عربي ؛ وغيره؛ وعلم منه أن الحب في الله؛ والبغض في الله ؛ مرتبة من وراء مقام الزهد؛ أعلى منه؛ وأن من زهد في الدنيا؛ لينال نعيم الآخرة؛ ليس بزاهد كامل؛ لأنه تعوض باق عن فان؛ وقد انتقل من رغبة فيما سوى الله؛ إلى رغبة فيما سواه أعلى منها؛ وذلك كله من جملة معاملة الأكوان؛ فلم تخلص معاملته لله؛ وإنما تخلص إذا زهد في مقام الزهد؛ بمعنى أنه لم ير له ملكا لشيء في الدارين؛ حتى يزهد فيه؛ كما قال بعضهم:


ترحل عن مقام الزهد قلبي فأنت الحق وحدك في شهودي
أأزهد في سواك وليس شيء أراه سواك يا سر الوجود

[ ص: 71 ] (حل خط) ؛ في ترجمة محمد بن الورد؛ الزاهد ؛ (عن ابن مسعود ) ؛ وفيه علي بن عبد الحميد ؛ قال الذهبي : مجهول؛ وخلف بن خليفة ؛ أورده في الضعفاء؛ وقال: ثقة؛ كذبه ابن معين .




الخدمات العلمية