الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 415 ] 282 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان منه عند دخول عثمان عليه بعد دخول أبي بكر وعمر عليه قبل ذلك ومن تغييره من أحواله عند دخول عثمان عليه ما لم يغيره عند دخولهما رضوان الله عليهما قبل ذلك .

1713 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عثمان بن عمر بن فارس ، قال : أخبرنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن يحيى بن سعيد - يعني : ابن العاص - عن أبيه ، عن عائشة ، { أن أبا بكر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم لابس مرط أم المؤمنين فأذن له فقضى إليه حاجته ، ثم استأذن عليه عمر وهو على تلك الحال ، فقضى إليه حاجته ثم خرج فاستأذن عليه عثمان فاستوى جالسا وقال لعائشة : اجمعي عليك ثيابك ، فلما خرج قالت له عائشة : ما لك لم تفزع لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان ؟ فقال : إن عثمان رجل كثير الحياء ، ولو أذنت له على تلك الحال خشيت أن لا يبلغ في حاجته } .

[ ص: 416 ]

1714 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق في مجلس آخر ، قال : حدثنا عثمان بن عمر ، قال : حدثنا مالك بن أنس ، عن الزهري ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبيه ، عن عائشة ، مثله .

1715 - وحدثنا محمد بن عزيز الأيلي ، قال : حدثنا سلامة بن روح ، قال : قال عقيل بن خالد : حدثني ابن شهاب ، قال : أخبرني يحيى بن سعيد بن العاص ، أن سعيد بن العاص أخبره ، أن أبا بكر رضي [ ص: 417 ] الله عنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثله .

1716 - حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، قال : حدثني الليث بن سعد ، قال : حدثني عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن يحيى بن سعيد بن العاص ، أن سعيد بن العاص أخبره ، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وعثمان حدثاه ، أن أبا بكر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثله .

فقال قائل : فقد رويت هذا الحديث في الباب الأول ، وذكرت فيه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في عثمان : { ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة } ، وبين ذلك وبين ما ذكرته في هذا الباب من الاختلاف ما لا خفاء به على أحد .

وذكر في ذلك

[ ص: 418 ]

1717 - ما قد حدثنا علي بن الحسين أبو عبيد ، قال : حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن يحيى بن سعيد ، ولم يذكر أباه عن { عائشة ، قالت : استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه في مرط واحد ، فأذن له فقضى إليه حاجته وهو معي في المرط ثم خرج فاستأذن عمر رضي الله عنه فأذن له فقضى إليه حاجته على تلك الحال ثم خرج فاستأذن عليه عثمان فأصلح ثيابه وجلس فقضى إليه حاجته ثم خرج قالت عائشة : فقلت : يا رسول الله ، استأذن عليك أبو بكر ، فقضى إليك حاجته على حالك تلك ، ثم استأذن عليك عمر فقضى إليك حاجته على حالك تلك ، ثم استأذن عليك عثمان فكأنك احتفظت ، فقال : إن عثمان رجل حيي ، ولو أني أذنت له على تلك الحال لحسبت أن لا يقضي إلي حاجته } . قال الزهري : وليس كما يقول الكذابون : ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة .

[ ص: 419 ] قال : ففي هذا الحديث نسبة الزهري راوي الحديث الأول الذي ذكرته في الباب الذي قبل هذا الباب ، وهو محمد بن أبي حرملة إلى الكذب في روايته هذا الحديث على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أستحي ممن تستحيي منه الملائكة ، فكيف يحتج بحديث من يكذبه الزهري مع جلالة مقدار الزهري .

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه ، أن الزهري بحمد الله ونعمته من الجلالة على ما ذكر ، ولسنا نظن به أطلق مثل هذا القول في محمد بن أبي حرملة لجلالة مقدار محمد بن أبي حرملة ، ولقيه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من لقيه وموضعه في الرضا في الأخذ عنه عن من أخذ عنه .

فمنهم إسماعيل بن جعفر ومالك بن أنس قد حدث عنه .

ما قد حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أن مالكا أخبره ، عن محمد بن أبي حرملة مولى عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب ، أن زينب ابنة أبي سلمة توفيت وطارق أمير المدينة ، فأتي بجنازتها بعد صلاة الصبح فوضعت بالبقيع ، قال : وكان طارق يغلس بالصبح ، قال : ابن أبي حرملة فسمعت عبد الله بن عمر ، يقول لأهلها : إما أن تصلوا على جنازتكم الآن ، وإما أن تتركوها حتى ترتفع الشمس . [ ص: 420 ] ومنهم ابن عيينة .

1718 - كما قد حدثنا عبد الغني بن أبي عقيل ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن محمد بن أبي حرملة ، عن كريب ، عن ابن عباس ، قال : أخبرني الفضل أخي أنه رأى { النبي صلى الله عليه وسلم لبى حتى رمى جمرة العقبة } .

قال أبو جعفر : ، والذي عندنا ، والله أعلم مما نظنه بالزهري في إطلاقه هذا القول فيمن روى هذا الحديث ، لم يرد به محمد بن أبي حرملة لجلالة محمد ، واستقامة حديثه وإمامته عند أهل العلم الذين حدثوا عنه ، واحتجوا بروايته ، ولكنه أراد به رجلا مجهولا قد حدث ابن جريج عنه بهذا الحديث وكان يكنى أبا خالد .

1719 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عاصم ، [ ص: 421 ] عن ابن جريج ، قال : حدثني أبو خالد ، عن عبد الله بن أبي سعيد المديني ، قال : حدثتني حفصة ابنة عمر قالت { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قد وضع ثوبه بين فخذيه فجاء أبو بكر فاستأذن فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم على هيئته ، ثم جاء عمر بمثل هذه الصفة ثم أناس من أصحابه والنبي صلى الله عليه وسلم على هيئته ثم جاء عثمان فاستأذن عليه ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه ، فتجلله فتحدثوا ثم خرجوا ، فقلت : يا رسول الله ، جاء أبو بكر وعمر وعلي وناس من أصحابك ، وأنت على حالك فلما جاء عثمان تجللت ثوبك ، قال : أولا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة } ، قال : وسمعت أبي ، وغيره يحدثون نحوا من هذا .

[ ص: 422 ] قال أبو جعفر : فكلام الزهري الذي ذكرته أنه المخاطب لنا هو عندنا على قصد الزهري به إلى أبي خالد هذا أو إلى من سواه وإلى عبد الله بن أبي سعيد وأمثاله لا إلى محمد بن أبي حرملة وأمثاله إن شاء الله ، والذي نقوله نحن أن نصحح الحديثين جميعا فنجعلهما كانا من رسول الله صلى الله عليه وسلم في يومين مختلفين أو في مرتين مختلفتين ، قال : في كل واحد منهما واحدا من القولين المذكورين فيهما ، وفي ذلك اجتماع الفضيلتين جميعا لعثمان رضي الله عنه باستحياء الملائكة منه وبحيائه في نفسه رضوان الله عليه وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية