الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 66 ] 226 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : من نام عن حزبه أو عن شيء منه ، فقرأه فيما بين الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه بالليل .

1434 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، أن السائب بن يزيد وعبيد الله بن عبد الله أخبراه ، أن عبد الرحمن بن عبد القاري ، قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من نام عن حزبه أو عن شيء منه ، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه بالليل .

1435 - حدثنا هارون بن كامل بن يزيد ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث بن سعد ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، [ ص: 67 ] ثم ذكر مثله في إسناده وفي متنه .

1436 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا أبو صفوان عبد الله بن سعيد ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، أن السائب بن يزيد وعبيد الله بن عبد الله أخبراه ، أن عبد الرحمن بن عبد القاري ، قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... وذكر مثله .

فقال قائل : هذا الحديث قد رواه عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد موقوفا .

فذكر ما قد حدثنا يحيى بن عثمان ، قال : حدثنا نعيم بن حماد ، قال : حدثنا ابن المبارك ، قال : حدثني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن السائب بن يزيد وعبيد الله بن عبد الله أخبراه ، أن عبد الرحمن بن عبد القاري ، قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : .... [ ص: 68 ] ثم ذكر مثله ، غير أنه لم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأوقفه على عمر رضي الله عنه . قال : ففي هذا ما قد دخل به في إسناد هذا الحديث هذا الاختلاف . فقيل له : وهل دخل ما يجب به صحة ما روى ابن المبارك وسقوط ما روى غيره ؛ لئن كان ابن المبارك في إيقافه إياه على عمر حجة كان الليث وعبد الله بن وهب وأبو صفوان أحرى أن يكونوا في رفعه حجة ، لا سيما وهم ثلاثة رووه عن يونس مرفوعا ، وثلاثة أولى بالحفظ من واحد .

فقال : فقد رواه معمر عن الزهري ، فأوقفه أيضا على عمر .

وذكر ما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا محمد بن رافع ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، [ ص: 69 ] عن عبد الرحمن بن عبد القاري ، أن ابن الخطاب رضي الله عنه ، قال ... فذكر نحوه ، ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

قال : فهذا ثبت لابن المبارك إيقاف هذا الحديث .

فقيل له : إن معمرا - وإن كان قد أوقفه على عمر رضي الله عنه - فقد رفعه عن عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم عقيل بن خالد .

1437 - كما حدثنا محمد بن عزيز الأيلي ، قال : أخبرنا سلامة بن روح ، عن عقيل بن خالد ، قال : قال ابن شهاب : أخبرني السائب بن يزيد ابن أخت نمر وعبيد الله بن عبد الله ، عن عبد الرحمن بن عبد ، قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثله سواء .

[ ص: 70 ] فعاد هذا الحديث مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عقيل بن خالد ، وفي أحاديث الأكثر عن يونس بن يزيد وكان الذي يخالفهما في رفعه ويوقفه على عمر واحد وهو معمر ، واثنان بالحفظ أولى من واحد ، لا سيما وكل واحد منهما لو روى حديثا ، فتفرد بروايته كان مقبولا منه ، وإذا كان ذلك كذلك ، فزادا في حديث زيادة من رفع له على غيرهما ، وجبت أن تكون تلك الزيادة مقبولة منهما .

والذي يراد من هذا الحديث ما يجب علينا تبيانه في هذا الباب ، وذلك أن قيام الليل قد كان فرضا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين بقول الله عز وجل : يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا . قال عز وجل : إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك ، فكان هذا هو فرضهم فيه ، ثم نسخ الله عز وجل ذلك بقوله عز وجل : علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ، فكانت توبته عز وجل عليهم في ذلك رفع ذلك المفروض عليهم عنهم .

وروي في ذلك .

1438 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عمرو بن أبي رزين ، عن هشام - يعني الدستوائي - عن قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، أن سعد بن هشام سأل عائشة ، فقال : يا أم المؤمنين ، أخبرينا [ ص: 71 ] عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : ألست تقرأ : يا أيها المزمل . قال : قلت : بلى . قالت : فإنه أنزل أول السورة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم وحبست خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء ، ثم نزلت الرخصة ، فكان قيام الليل تطوعا بعد فريضة } .

قال أبو جعفر : ثم قال عز وجل : فاقرؤوا ما تيسر من القرآن ، فكان ذلك عندنا والله أعلم على أنه عز وجل لم يخلهم من الحض على الأخذ بحظ من قيام الليل لفضله ، ولما ينال به من الثواب منه عز وجل ، وبين عز وجل في ارتفاع فرضه عنهم ذلك في آية أخرى ، وهو قوله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم : ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ، وذلك أجل ثواب ، وإذا كان قيام الليل له صلى الله عليه وسلم نافلة كان لأمته أحرى أن يكون كذلك .

ولما رد الله عز وجل ما حض عليه من قيام الليل إلى ما رده [ ص: 72 ] إليه زاد نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته في السعة في ذلك إذ كان قد يجوز أن يقطعهم عن ذلك مرض أو سفر أو ما سواهما مما يقطع عن مثل ذلك طائفة من النهار ، فجعل القراءة فيها كالقراءة في الليل امتنانا منه عليهم ورحمة منه لهم ، وزيادة منه إياهم إلى ما يوصلهم إلى وعده المحمود لهم ، وإلى ما يؤتيهم من الثواب ، والله نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية