الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 439 ] 286 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التسمي برباح وأفلح ويسار ويسير وعلاء ونافع وبركة من كراهته ومما يدل على إباحته .

1737 - حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا سعيد بن سالم ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : { أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينهى أن يسمى بعلاء وبركة وأفلح ونحو ذلك ، ثم إنه سكت بعد عنها فلم يقل شيئا } .

1738 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا محمد بن كثير العبدي ، قال : حدثنا سفيان الثوري ، قال : حدثنا أبو الزبير ، [ ص: 440 ] عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لئن عشت إلى قابل لأنهين أن يسمى نافعا ويسارا وبركة ، قال : ولا أدري أقال : رافع أم لا ؟ } .

1739 - حدثنا فهد ، قال : حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، قال : حدثنا أبي ، عن الأعمش ، قال : حدثنا أبو سفيان ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : { إن عشت نهيت أمتي إن شاء الله أن يسمي أحد منهم بركة ونافعا وأفلح . ولا أدري قال : رافع ، يقال : هاهنا بركة ؟ فيقال : لا فقبض النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينه عن ذلك } .

[ ص: 441 ] قال أبو جعفر : ففي هذه الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : لئن عشت إلى قابل لأنهين أن يسمى بهذه الأسماء المذكورة في هذا الحديث ، وفي ذلك ما قد دل على أن التسمي بها ليس بحرام ؛ لأنه لو كان حراما لنهى عنه صلى الله عليه وسلم ولم يؤخر ذلك إلى وقت آخر ، والله أعلم .

وفي بعضها أنه سكت عن ذلك ولم ينه عنه حتى توفي ، ففي ذلك ما قد دل أنه لم يحفها نهي منه صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان ذلك كذلك كانت الإباحة في التسمي بها قائمة ، ثم نظرنا هل روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير جابر في ذلك نهيا أم لا . ؟

1740 - فوجدنا بكار بن قتيبة قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن منصور ، قال : سمعت هلال بن يساف ، عن الربيع بن عميلة الفزاري ، عن سمرة بن جندب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تسم غلامك رباحا ولا أفلح ولا يسيرا أو قال : يسارا ، يقال : ثم فلان ، فيقال : لا .

1741 - ووجدنا سليمان بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثنا [ ص: 442 ] عبد الرحمن بن زياد ، قال : حدثنا زهير بن معاوية ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن ربيع بن عميلة ، عن سمرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثله .

1742 - ووجدنا أبا أمية قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن سابق ، قال : حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن منصور ، ثم ذكر بإسناده مثله .

1743 - ووجدنا ابن أبي داود قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ، قال : حدثنا عبد الوارث ، قال : حدثنا محمد بن جحادة ، عن منصور بن المعتمر ، عن عمارة بن عمير التيمي ، عن ربيع بن عميلة ، عن سمرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثله .

1744 - ووجدنا بكار بن قتيبة قد حدثنا ، قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا سلمة بن كهيل ، عن [ ص: 443 ] هلال بن يساف ، عن سمرة بن جندب ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تسمين عبدك أفلح ولا رباحا ولا يسارا } .

قال أبو جعفر : ففي بعض هذه الآثار فإنك تقول : أثم هو ؟ فلا يكون فيقول : لا .

ففي ذلك ما قد دل على أن النهي عن هذه الأسماء إنما كان خوف الطيرة بها ، كما نهي أن يورد ممرض على مصح ، فيصيبه ما أصاب الممرض ، فيقال : أصابه ؛ لأنه أورد عليه . وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم منا في كتابنا هذا . ثم كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم نهيه عن الطيرة .

1745 - كما حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن هشام - يعني : الدستوائي - عن يحيى بن أبي كثير - يعني عن الحضرمي - أن سعيد بن المسيب ، قال : سألت سعدا عن الطيرة فانتهرني ، وقال : من حدثك ؟ فكرهت أن أحدثه ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 444 ] يقول : { لا عدوى ولا طيرة } .

1746 - وكما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا حبان بن هلال ، قال : حدثنا أبان بن يزيد ، قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، ثم ذكر بإسناده مثله .

قال : فكان ذلك نهيا منه صلى الله عليه وسلم عن الطيرة وكان على المسلمين رفع ذلك عن أنفسهم بنهيه إياهم عنه ، ثم قد جاء عنه في الطيرة ما يتجاوز ما في حديث سعد هذا .

1747 - وهو ما قد حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا محمد بن كثير ، قال : حدثنا سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن عيسى بن عاصم الأسدي ، عن زر بن حبيش ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الطيرة شرك [ ص: 445 ] وما منا ولكن الله يذهبه بالتوكل } .

1748 - وما قد حدثنا يزيد ، قال : حدثنا بشر بن عمر الزهراني ومحمد ، قالا : حدثنا شعبة ، عن سلمة ، عن عيسى رجل من بني أسد ، عن زر ، عن عبد الله ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثله .

فدل ذلك على ارتفاع الطيرة وعلى استعمال المسلمين إياها ، وعلى وجوب ترك الالتفات إليها عليهم .

ومما قد دل على ما ذكرنا

1749 - ما قد حدثنا بكار ويزيد ، قالا : حدثنا عمر بن يونس ، قال : حدثنا عكرمة بن عمار ، عن سماك أبي زميل ، قال : حدثني عبد الله بن عباس ، قال : حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : لما اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه جلس في مشربة له فأتيت ، وإذا برباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسكفتها ، فقلت : يا رباح ، استأذن لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر بقية الحديث .

[ ص: 446 ] ففي هذا ما قد دل على ما ذكرنا .

ومما يدخل في هذا أيضا أنه قد كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضوان الله عليهم ومن ولاة أموره العلاء بن الحضرمي كان عامله على البحرين ، وبقي على اسمه ذلك حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليه ، وبقي عليه حتى توفي هو رضوان الله عليه ، وفي ذلك ما قد دل على ما ذكرنا .

وقد روي عنه عليه السلام .

1750 - ما قد حدثنا الربيع المرادي ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، قال : حدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن محمد بن إسحاق ، { عن محمد بن عمرو بن عطاء ، أن زينب ابنة أبي سلمة سألته : ما سميت ابنتك ؟ قال : سميتها برة ، فقالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن هذا الاسم ، سميت برة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تزكوا أنفسكم ، الله أعلم بأهل البر منكم . قالوا : ما نسميها ؟ قال : سموها زينب } .

[ ص: 447 ] قال أبو جعفر : وهذا عندنا والله أعلم قبل النهي عن الطيرة ، وعاد بذلك الحكم في الأسماء إلى استعمالها كلها ما لم يكن فيه منها نهي متأخر عن الطيرة ؛ لأنها إشارات لتبيين ما يشار إليه بها عما سواه من جنسه والله سبحانه نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية