الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 326 ] 127 - باب بيان مشكل ما روي عنه عليه السلام من نهيه عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد

866 - حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا سعيد بن سالم قال الربيع : أظنه عن ابن جريج ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس أن رسول الله عليه السلام قال : { أربع من الدواب لا يقتلن : النملة والنحلة والهدهد والصرد } .

867 - حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب سمعت ابن جريج يحدث عن رجل حدثه عن ابن شهاب ، عن عبيد الله ، عن ابن عباس ، عن النبي عليه السلام .

868 - وحدثنا بحر ، أخبرنا ابن وهب ... ثم ذكر بإسناده مثله .

869 - حدثنا القاسم بن عبد الله بن مهدي أبو طاهر ، حدثنا أبو [ ص: 327 ] مصعب ، حدثني عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله ، عن ابن عباس قال : { نهى رسول الله عليه السلام ، عن قتل أربع : الهدهد والصرد والنملة والنحلة } .

فاحتجنا بطلب الرجل الذي بين ابن جريج وبين ابن شهاب من هو ليقوم لنا إسناده من حديث ابن جريج كما قام لنا من حديث معمر .

870 - فوجدنا محمد بن أحمد بن حماد الدولابي قد حدثنا عن صالح بن أحمد بن حنبل ، عن علي بن المديني قال : سمعت يحيى بن معين يقول : حدثنا ابن جريج قال : أخبرت ، عن الزهري ، عن عبيد الله ، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ... ثم ذكر هذا الحديث .

قال يحيى : وكان عندي ضعيفا فمحيته ثم قال : رأيته في كتاب سفيان بن سعيد ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي لبيد ، عن الزهري ، عن عبيد الله ، عن ابن عباس [ ص: 328 ] ووجدنا هارون بن محمد العسقلاني قد أجاز لنا عن الغلابي قال : روى هذا الحديث الثوري ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي لبيد ، عن الزهري قال الغلابي : سمعت هذا من أبي داود .

فوقفنا بذلك على أن الرجل المسكوت عن اسمه في هذا الحديث من رواية ابن وهب عن ابن جريج الذي ذكرناه في هذا الباب هو ابن أبي لبيد .

فعقلنا أن هذا الحديث قد صح لنا من رواية ابن جريج كصحته لنا من رواية معمر .

وقد وجدنا أبا معاوية قد حدث به عن ابن جريج فخالف ابن وهب في إسناده .

871 - كما حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس البغدادي ، حدثنا مجاهد بن موسى ، حدثنا أبو معاوية ، عن ابن جريج ، عن الزهري ، عن سليمان بن يسار ، عن ابن عباس قال : { نهى رسول الله عليه السلام عن قتل أربع ؛ عن قتل الهدهد والصرد والنملة والنحلة } .

فتأملنا ما في هذا الحديث طلبا منا لاستخراج ما أريد به .

فوجدنا الهدهد ما لا ينتفع بلحمه ، ووجدنا الناس يستقذرونه ووجدناه لا مضرة على الناس منه فكان قتله للعبث لا لما سواه .

[ ص: 329 ] وذلك منهي عنه كما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قتل من هذا الجنس بغير حقه .

872 - كما حدثنا المزني ، حدثنا الشافعي أخبرنا سفيان ، أخبرنا عمرو أخبرنا صهيب مولى عبد الله بن عامر قال : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من قتل عصفورة فما فوقها بغير حقها سأله الله عز وجل عن قتلها ، قيل : يا رسول الله وما حقها ، قال : يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها فيرمي بها } .

873 - وكما قد حدثنا أبو أمية ، حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبان بن صالح ، عن عمرو بن دينار ، عن عمرو بن الشريد ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { عصفور قط } .

قال أبو جعفر : [ ص: 330 ] كأنه يعني ما قتل عصفور قط عبثا ، قال أبو بكر : فما فوقه أو فما دونه إلا عج إلى الله عز وجل يوم القيامة : يا رب فلان قتلني ، فلا هو انتفع بي ولا هو تركني أعيش في خشاراتها .

فكان قاتل الهدهد داخلا في هذا المعنى ، والله أعلم ، وكذلك قاتل الصرد ؛ لأنه لا يقدر أن يجمع من أشكاله ما يتهيأ له التبسط في أكل لحومها ، فقتل ما هذه سبيله أيضا يرجع إلى العبث لا إلى ما سواه ، ويلحق قاتله الوعيد الذي هو في هذين الحديثين اللذين روينا .

وأما النحلة فليست من هذا الجنس في شيء ولكنها مما ينتفع بها ، ومما لا منفعة لقاتلها في قتلها ، فقتله إياها يجمع أمرين ، أحدهما : قطع لمنافعها ، والآخر : عدم الانتفاع بها ، فزاد جرم قاتلها على جرم قاتل الهدهد والصرد .

[ ص: 331 ] وأما قتل النملة فإنه لا منفعة معه ولا قطع أذى به ، وهي موصوفة بمعنى محمود قد روي عن رسول الله عليه السلام .

874 - كما حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب .

وكما حدثنا بحر بن نصر أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب وأبي سلمة ، عن أبي هريرة { عن رسول الله عليه السلام أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت ، فأوحى الله إليه أفي أن قرصتك نملة حرقت أمة من الأمم تسبح ؟ } .

875 - وكما حدثنا محمد بن عزيز ، حدثنا سلامة بن روح ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، أخبرني أبو سلمة ، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون الله عز وجل فإذا هم بنملة رافعة بعض قوائمها ، فقال النبي : ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة } .

[ ص: 332 ] وما كانت هذه سبيله كان قتله قاطعا لمثل هذين المعنيين المذكورين في هذين الحديثين ، وكان القاتل له على ذلك داخلا في حديثي عبد الله بن عمرو والشريد اللذين رويناهما في هذا الباب عن رسول الله عليه السلام .

وقد روي { عن النبي صلى الله عليه وسلم في النملة إذا كان منها الأذى إباحة قتلها } .

876 - كما حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة ، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر بها فأحرقت بالنار ، فأوحى الله تعالى إليه فهلا أخذت نملة واحدة } .

[ ص: 333 ] كأنه كان أحرق قرية النمل على ما في حديث يونس وبحر الذي رويناه في هذا الباب الراجع إلى سعيد وأبي سلمة ، وفي ذلك ما قد دل على إباحة قتل ما آذى من النمل وفيما قبله النهي عن قتل ما لم يؤذ منها .

وفي حديث ابن وهب عن ابن جريج معنى يختلف هو وحديث القاسم بن عبد الله عن أبي مصعب اللذين رويناهما في هذا الباب ، وهو أن في حديث ابن وهب عن ابن جريج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أربع من الدواب لا يقتلن ... } ثم ذكرهن فكان من ذلك ما قد دل أن غيرهن ليس من معناهن ؛ لأن ما حصر بعدد لم يدخل فيه غير ذلك العدد .

وفي حديث القاسم ، عن أبي مصعب { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن قتل أربع } فاحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل هذه الأربع لا بحصر منه إياه بعدد يمنع أن يدخل فيه غيرهن ، ولكن قصد بالنهي إلى قتلهن فقط ، وكان مثلهن قد يجوز أن يعطف على ما في الحديث منهن وقد يجوز أن لا يعطف عليه .

وفي حديث ابن وهب عن ابن جريج حصر ما نهى عن قتله بالعدد الذي ذكره فيه ، فكان ذلك النهي المذكور فيه مقصودا به إلى ذلك العدد لا ما سواه من أجناسه ، والله أعلم بحقيقة ذلك كيف كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية