الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين يَشْتَمِلُ عَلَى شَطْرَيْنِ : الشَّطْرُ الْأَوَّلُ فِي الرَّجَاءِ وَالشَّطْرُ الثَّانِي فِي الْخَوْفِ ، أَمَّا الشَّطْرُ الْأَوَّلُ فَيَشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ حَقِيقَةِ الرَّجَاءِ ، وَبَيَانِ فَضِيلَةِ الرَّجَاءِ ، وَبَيَانِ دَوَاءِ الرَّجَاءِ ، وَالطَّرِيقُ الَّذِي يُجْتَلَبُ بِهِ الرَّجَاءُ بَيَانُ حَقِيقَةِ الرَّجَاءِ اعْلَمْ أَنَّ الرَّجَاءَ مِنْ جُمْلَةِ مَقَامَاتِ السَّالِكِينَ ، وَأَحْوَالِ الطَّالِبِينَ وَإِنَّمَا يُسَمَّى الْوَصْفُ مَقَامًا إِذَا ثَبَتَ وَأَقَامَ وَإِنَّمَا يُسَمَّى حَالًا إِذَا كَانَ عَارِضًا سَرِيعَ الزَّوَالِ : وَكَمَا أَنَّ الصُّفْرَةَ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَابِتَةٍ كَصُفْرَةِ الذَّهَبِ وَإِلَى سَرِيعَةِ الزَّوَالِ كَصُفْرَةِ الْوَجَلِ وَإِلَى مَا هُوَ بَيْنَهُمَا كَصُفْرَةِ الْمَرِيضِ فَكَذَلِكَ صِفَاتُ الْقَلْبِ تَنْقَسِمُ هَذِهِ الْأَقْسَامَ ، فَالَّذِي هُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ يُسَمَّى حَالًا ، لِأَنَّهُ يَحُولُ عَلَى الْقُرْبِ وَهَذَا جَارٍ فِي كُلِّ وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ الْقَلْبِ وَغَرَضُنَا الْآنَ حَقِيقَةُ الرَّجَاءِ ، فَالرَّجَاءُ أَيْضًا يَتِمُّ مِنْ حَالٍ وَعِلْمٍ وَعَمَلٍ فَالْعِلْمُ سَبَبٌ يُثْمِرُ الْحَالَ : وَالْحَالُ يَقْتَضِي الْعَمَلَ وَكَانَ الرَّجَاءُ اسْمًا مِنْ جُمْلَةِ الثَّلَاثَةِ وَبَيَانُهُ أَنَّ كُلَّ مَا يُلَاقِيكَ مِنْ مَكْرُوهٍ وَمَحْبُوبٍ فَيَنْقَسِمُ إِلَى مَوْجُودٍ فِي الْحَالِ ، وَإِلَى مَوْجُودٍ فِيمَا مَضَى وَإِلَى مُنْتَظَرٍ فِي الِاسْتِقْبَالِ : فَإِذَا خَطَرَ بِبَالِكَ مَوْجُودٌ فِيمَا مَضَى سُمِّيَ ذِكْرًا وَتَذَكُّرًا وَإِنْ كَانَ مَنْ خَطَرَ بِقَلْبِكَ مَوْجُودًا فِي الْحَالِ سُمِّيَ وَجْدًا ، وَذَوْقًا ، وَإِدْرَاكًا وَإِنَّمَا سُمِّيَ وَجْدًا لِأَنَّهَا حَالَةٌ تَجِدُهَا مِنْ نَفْسِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ خَطَرَ بِبَالِكَ وُجُودُ شَيْءٍ فِي الِاسْتِقْبَالِ ، وَغَلَبَ ذَلِكَ عَلَى قَلْبِكَ ، سُمِّيَ انْتِظَارًا وَتَوَقُّعًا فَإِنْ كَانَ الْمُنْتَظَرُ مَكْرُوهًا حَصَلَ مِنْهُ أَلَمٌ فِي الْقَلْبِ سُمِّيَ خَوْفًا وَإِشْفَاقًا وَإِنْ كَانَ مَحْبُوبًا حَصَلَ مِنَ انْتِظَارِهِ ، وَتَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِهِ ، وَإِخْطَارِ وَجُودِهِ بِالْبَالِ لَذَّةٌ فِي الْقَلْبِ ، وَارْتِيَاحٌ ، سُمِّيَ ذَلِكَ الِارْتِيَاحُ رَجَاءً ، فَالرَّجَاءُ هُوَ ارْتِيَاحُ الْقَلْبِ لِانْتِظَارِ مَا هُوَ مَحْبُوبٌ عِنْدَهُ وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْمَحْبُوبَ الْمُتَوَقَّعَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ سَبَبٌ فَإِنْ كَانَ انْتِظَارُهُ لِأَجْلِ حُصُولِ أَكْثَرِ أَسْبَابِهِ الرَّجَاءِ عَلَيْهِ صَادِقٌ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ انْتِظَارًا مَعَ انْخِرَامِ أَسْبَابِهِ وَاضْطِرَابِهَا فَاسْمُ الْغُرُورِ وَالْحُمْقِ عَلَيْهِ أَصْدَقُ مِنَ اسْمِ الرَّجَاءِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْأَسْبَابُ مَعْلُومَةَ الْوُجُودِ ، وَلَا مَعْلُومَةَ ، الِانْتِفَاءِ ، فَاسْمُ التَّمَنِّي أَصْدَقُ عَلَى انْتِظَارِهِ لِأَنَّهُ انْتِظَارٌ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا يُطْلَقُ اسْمُ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ إِلَّا عَلَى مَا يَتَرَدَّدُ فِيهِ أَمَّا مَا يُقْطَعُ بِهِ فَلَا ؛ ؛ إِذْ لَا يُقَالُ أَرْجُو طُلُوعَ الشَّمْسِ وَقْتَ الطُّلُوعِ ، وَأَخَافُ غُرُوبَهَا وَقْتَ الْغُرُوبِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ : مَقْطُوعٌ بِهِ ، نَعَمْ يُقَالُ أَرْجُو نُزُولَ الْمَطَرِ ، وَأَخَافُ انْقِطَاعَهُ وَقَدْ عَلِمَ أَرْبَابُ الْقُلُوبِ أَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ وَالْقَلْبَ كَالْأَرْضِ وَالْإِيمَانَ كَالْبَذْرِ فِيهِ ، وَالطَّاعَاتِ جَارِيَةٌ مَجْرَى تَقْلِيبِ الْأَرْضِ وَتَطْهِيرِهَا ، وَمَجْرَى حَفْرِ الْأَنْهَارِ وَسِيَاقَةِ الْمَاءِ إِلَيْهَا ، وَالْقَلْبُ الْمُسْتَهْتِرُ : فِي الدُّنْيَا الْمُسْتَغْرِقُ بِهَا ، كَالْأَرْضِ السَّبْخَةِ الَّتِي لَا يَنْمُو فِيهَا الْبَذْرُ : وَيَوْمُ الْقِيَامَةِ يَوْمُ الْحَصَادِ ، وَلَا يَحْصُدُ أَحَدٌ إِلَّا مَا زَرَعَ وَلَا يَنْمُو زَرْعٌ إِلَّا مِنْ بَذْرِ ، الْإِيمَانِ ، وَقَلَّمَا يَنْفَعُ إِيمَانٌ مَعَ خُبْثِ الْقَلْبِ وَسُوءِ ، أَخْلَاقِهِ ، كَمَا لَا يَنْمُو بَذْرٌ فِي أَرْضٍ سَبْخَةٍ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَاسَ رَجَاءُ الْعَبْدِ الْمَغْفِرَةَ بِرَجَاءِ صَاحِبِ الزَّرْعِ ، فَكُلُّ مَنْ طَلَبَ أَرْضًا طَيِّبَةً ، وَأَلْقَى فِيهَا بَذْرًا جَيِّدًا غَيْرَ عَفِنٍ ، وَلَا مُسَوَّسٍ ، ثُمَّ أَمَدَّهُ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَهُوَ سَوْقُ الْمَاءِ إِلَيْهِ فِي أَوْقَاتِهِ ثُمَّ نَقَّى الشَّوْكَ عَنِ الْأَرْضِ وَالْحَشِيشِ ، وَكُلَّ مَا يَمْنَعُ نَبَاتَ الْبَذْرِ أَوْ يُفْسِدُهُ ثُمَّ جَلَسَ مُنْتَظِرًا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى دَفْعَ الصَّوَاعِقِ وَالْآفَاتِ الْمُفْسِدَةِ إِلَى أَنْ يَتِمَّ الزَّرْعُ وَيَبْلُغَ غَايَتَهُ سُمِّيَ انْتِظَارُهُ رَجَاءً . وَإِنْ بَثَّ الْبَذْرَ فِي أَرْضٍ صُلْبَةٍ سَبْخَةٍ مُرْتَفِعَةٍ لَا يَنْصَبُّ إِلَيْهَا الْمَاءُ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِتَعَهُّدِ الْبَذْرِ أَصْلًا ثُمَّ انْتَظَرَ الْحَصَادَ مِنْهُ سُمِّيَ انْتِظَارُهُ حُمْقًا ، وَغُرُورًا لَا رَجَاءً . وَإِنْ بَثَّ الْبَذْرَ فِي أَرْضٍ طَيِّبَةٍ ، وَلَكِنْ لَا مَاءَ لَهَا ، وَأَخَذَ يَنْتَظِرُ مِيَاهَ الْأَمْطَارِ حَيْثُ لَا تَغْلِبُ الْأَمْطَارُ وَلَا تَمْتَنِعُ أَيْضًا سُمِّيَ انْتِظَارُهُ تَمَنِّيًا ، لَا رَجَاءً فَإِذًا اسْمُ الرَّجَاءِ إِنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى انْتِظَارِ مَحْبُوبٍ تَمَهَّدَتْ جَمِيعُ أَسْبَابِهِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَا لَيْسَ يَدْخُلُ تَحْتَ اخْتِيَارِهِ ، وَهُوَ فَضْلُ اللَّهِ تَعَالَى بِصَرْفِ الْقَوَاطِعِ وَالْمُفْسِدَاتِ فَالْعَبْدُ إِذَا بَثَّ بَذْرَ الْإِيمَانِ وَسَقَاهُ بِمَاءِ الطَّاعَاتِ ، وَطَهَّرَ الْقَلْبَ عَنْ شَوْكِ الْأَخْلَاقِ ، الرَّدِيئَةِ وَانْتَظَرَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى تَثْبِيتَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْمَوْتِ وَحُسْنِ الْخَاتِمَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْمَغْفِرَةِ وَكَانَ انْتِظَارُهُ رَجَاءً حَقِيقِيًّا مَحْمُودًا فِي نَفْسِهِ بَاعِثًا لَهُ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ الْقِيَام بِمُقْتَضَى أَسْبَابِ الْإِيمَانِ فِي إِتْمَامِ أَسْبَابِ الْمَغْفِرَةِ إِلَى الْمَوْتِ ، وَإِنْ قَطَعَ عَنْ بَذْرِ الْإِيمَانِ تَعَهَّدَهُ بِمَاءِ الطَّاعَاتِ ، وَتَرَكَ الْقَلْبَ مَشْحُونًا بِرَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ ، وَانْهَمَكَ فِي طَلَبِ لَذَّاتِ الدُّنْيَا ثُمَّ انْتَظَرَ الْمَغْفِرَةَ فَانْتِظَارُهُ حُمْقٌ وَغُرُورٌ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَحْمَقُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ وَقَالَ تَعَالَى : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا وَقَالَ تَعَالَى : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى صَاحِبَ الْبُسْتَانِ إِذْ دَخَلَ جَنَّتَهُ وَقَالَ : مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا . إتحاف السادة المتقين (يَشْتَمِلُ) ذَلِكَ الْكِتَابُ (عَلَى شَطْرَيْنِ: الشَّطْرُ الْأَوَّلُ فِي الرَّجَاءِ) وَإِنَّمَا قَدَّمَهُ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ الْوُصُولَ بِهِ أَرْجَى لِلسَّالِكِ كَمَا لَا يَخْفَى (وَالشَّطْرُ الثَّانِي فِي الْخَوْفِ، أَمَّا الشَّطْرُ الْأَوَّلُ فَيَشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ حَقِيقَةِ الرَّجَاءِ، وَبَيَانِ فَضِيلَةِ الرَّجَاءِ، وَبَيَانِ دَوَاءِ الرَّجَاءِ، وَالطَّرِيقُ الَّذِي يُجْتَلَبُ بِهِ الرَّجَاءُ) . وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْقُشَيْرِيُّ بَابَ الْخَوْفِ عَلَى بَابِ الرَّجَاءِ، وَتَبِعَهُ صَاحِبُ عَيْنِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ حَالُ أَهْلِ الِابْتِدَاءِ، بِخِلَافِ الرَّجَاءِ فَإِنَّهُ حَالُ أَهْلِ الِانْتِهَاءِ، وَلِكُلٍّ وَجْهُهُ . (بَيَانُ حَقِيقَةِ الرَّجَاءِ) (اعْلَمْ) وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى (أَنَّ الرَّجَاءَ) بِالْمَدِّ لُغَةً الْأَمَلُ، وَهُوَ (مِنْ جُمْلَةِ مَقَامَاتِ السَّالِكِينَ، وَأَحْوَالِ الطَّالِبِينَ) وَهُوَ الْمَقَامُ الرَّابِعُ مِنْ مَقَامَاتِ الْيَقِينِ، وَالسَّالِكُ وَالطَّالِبُ وَاحِدٌ، إِلَّا أَنَّهُ خَصَّ السُّلُوكَ بِطَلَبِ طَرِيقِ الْحَقِّ، فَالطَّالِبُ أَعَمُّ، وَهُوَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عُقُودِ الْإِيمَانِ بِكَمَالِ اللَّهِ تَعَالَى. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ يَتَرَتَّبُ عَلَى قَوَاعِدَ شَتَّى، لَوْ وَضَعَهَا الْمُصَنِّفُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لَاخْتَلَّ نِظَامُ التَّرْتِيبِ، وَعَسُرَ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، فَاخْتَارَ أَنْ يَضَعَ فِي كُلِّ كِتَابٍ قَاعِدَةً مُنَاسِبَةً لَهُ، وَيَبْنِي عَلَيْهَا أَمْثَالَهُ، فَقَدْ أَشَارَ إِلَى الْقَاعِدَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِهَذَا الْبَابِ، وَلِمَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الْأَحْوَالِ فِي انْقِسَامِ أَحْوَالِ الْقُلُوبِ بِقَوْلِهِ (وَإِنَّمَا يُسَمَّى الْوَصْفُ مَقَامًا إِذَا ثَبَتَ وَأَقَامَ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى وَجْهِ تَسْمِيَتِهِ أَيْ يُسَمَّى الْمَقَامُ مَقَامًا لِثُبُوتِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ (وَإِنَّمَا يُسَمَّى حَالًا إِذَا كَانَ عَارِضًا سَرِيعَ الزَّوَالِ) أَيْ: يُسَمَّى الْحَالُ حَالًا لِتَحَوُّلِهِ وَسُرْعَةِ زَوَالِهِ (كَمَا أَنَّ الصُّفْرَةَ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَابِتَةٍ كَصُفْرَةِ الذَّهَبِ) هَذَا أَصْلُ لَوْنِهِ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ عَنْهُ، وَقَدْ يَحْمَرُّ لِعَارِضٍ فَيَثْبُتُ فِيهِ (وَإِلَى سَرِيعَةِ الزَّوَالِ كَصُفْرَةِ الْوَجَلِ) فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا عَرَاهُ خَوْفٌ يَصْفَرُّ لَوْنُهُ، فَإِذَا زَالَ الْخَوْفُ رَجَعَ إِلَى لَوْنِهِ (وَإِلَى مَا هُوَ بَيْنَهُمَا كَصُفْرَةِ الْمَرِيضِ) فَتَارَةً تَثْبُتُ، وَتَارَةً تَزُولُ. (فَكَذَلِكَ صِفَاتُ الْقَلْبِ تَنْقَسِمُ هَذِهِ الْأَقْسَامَ، فَالَّذِي هُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ يُسَمَّى حَالًا، لِأَنَّهُ يَحُولُ عَلَى الْقُرْبِ) وَاخْتَلَفَتْ إِشَارَاتُ الشُّيُوخِ فِي الْحَالِ وَالْمَقَامِ، وَوُجُودُ الِاشْتِبَاهِ فِيهِمَا، لِمَكَانِ تَشَابُهِهِمَا فِي أَنْفُسِهِمَا وَتَدَاخُلِهِمَا، فَتَرَاءَى لِلْبَعْضِ الشَّيْءُ حَالًا، وَتَرَاءَى لِلْبَعْضِ مَقَامًا، وَكِلَا الرُّؤْيَتَيْنِ صَحِيحٌ لِوُجُودِ تَدَاخُلِهِمَا، وَأَحْسَنُ مَا يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَهُمَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ وَالْعِبَارَةَ عَنْهُمَا مُشْعِرٌ بِالْفَرْقِ، وَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ حَالًا ثُمَّ يَصِيرُ مَقَامًا، وَالْعَبْدُ بِالْأَحْوَالِ يَرْتَقِي إِلَى الْمَقَامَاتِ (وَهَذَا جَارٍ فِي كُلِّ وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ الْقَلْبِ) فَمَا يُعْرَفُ وَصْفٌ مِنْ أَوْصَافِهِ إِلَّا وَفِيهِ حَالٌ وَمَقَامٌ . (وَغَرَضُنَا الْآنَ حَقِيقَةُ الرَّجَاءِ، فَالرَّجَاءُ أَيْضًا يَتِمُّ مِنْ حَالٍ وَعِلْمٍ وَعَمَلٍ) فَإِنَّهُ مَا مِنْ مَقَامٍ إِلَّا وَهُوَ يَنْتَظِمُ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَالْعَمَلُ مِيرَاثُ الْحَالِ، وَالْحَالُ مِيرَاثُ الْعِلْمِ (فَالْعِلْمُ سَبَبٌ يُثْمِرُ الْحَالَ) أَيْ: بِمَنْزِلَةِ شَجَرَةٍ، وَالْحَالُ ثَمَرَتُهَا (وَالْحَالُ يَقْتَضِي الْعَمَلَ) فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْغُصْنِ (وَكَانَ الرَّجَاءُ اسْمَ لِلْحَالِ مِنْ جُمْلَةِ الثَّلَاثَةِ) الْمَذْكُورَةِ (وَبَيَانُهُ أَنَّ كُلَّ مَا يُلَاقِيكَ مِنْ مَكْرُوهٍ وَمَحْبُوبٍ فَيَنْقَسِمُ إِلَى مَوْجُودٍ فِي الْحَالِ، وَإِلَى مَوْجُودٍ فِيمَا مَضَى) مِنَ الزَّمَانِ (وَإِلَى مُنْتَظَرٍ فِي الِاسْتِقْبَالِ) أَيْ: فِيمَا سَيَأْتِي. (فَإِذَا خَطَرَ بِبَالِكَ مَوْجُودٌ فِيمَا مَضَى سُمِّيَ ذِكْرًا وَتَذَكُّرًا) وَنَدَمًا وَأَسَفًا، فَالذِّكْرُ وُجُودُ الشَّيْءِ فِي الْقَلْبِ أَوِ اللِّسَانِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَهُ أَرْبَعُ دَرَجَاتٍ، وُجُودُهُ فِي ذَاتِهِ، وَوُجُودُهُ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ، وَوُجُودُهُ فِي لَفْظِهِ، وَوُجُودُهُ فِي كِتَابَتِهِ. فَوُجُودُهُ فِي ذَاتِهِ هُوَ سَبَبٌ لِوُجُودِهِ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ، وَوُجُودُهُ فِي قَلْبِهِ هُوَ سَبَبٌ لِوُجُودِهِ فِي لِسَانِهِ، وَوُجُودُهُ فِي كِتَابَتِهِ، وَيُقَالُ لِلْوُجُودَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ الذِّكْرُ، وَأَمَّا التَّذَكُّرُ فَهُوَ مُحَاوَلَةُ الْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لِاسْتِرْجَاعِ مَا فَاتَ بِالنِّسْيَانِ . (وَإِنْ كَانَ مَا خَطَرَ بِقَلْبِكَ مَوْجُودًا فِي الْحَالِ سُمِّيَ وَجْدًا، وَذَوْقًا، وَإِدْرَاكًا) وَفَرَحًا، وَسُرُورًا، (وَإِنَّمَا سُمِّيَ وَجْدًا لِأَنَّهَا حَالَةٌ تَجِدُهَا مِنْ نَفْسِكَ) ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَوْقًا عَلَى التَّشْبِيهِ بِالذَّوْقِ الَّذِي هُوَ تَنَاوُلُ الشَّيْءِ بِالْفَمِ لِإِدْرَاكِ الطَّعْمِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ إِدْرَاكًا لِأَنَّهُ أَحَاطَ عَلَيْهِ عِلْمًا بِكَمَالِهِ. (وَإِنْ كَانَ قَدْ خَطَرَ بِبَالِكَ وُجُودُ شَيْءٍ فِي الِاسْتِقْبَالِ، وَغَلَبَ ذَلِكَ عَلَى قَلْبِكَ، سُمِّيَ انْتِظَارًا لَهُ أَوْ تَوَقُّعًا) فَالِانْتِظَارُ هُوَ الثَّبَاتُ لِتَوَقُّعِ مَا يَكُونُ فِي الْحَالِ، وَالتَّوَقُّعُ تَفَعُّلٌ مِنَ الْوُقُوعِ بِمَعْنَى الْحُصُولِ أَيْ تَكَلُّفُ حُصُولِ الشَّيْءِ فِي يَدِهِ. (فَإِنْ كَانَ الْمُنْتَظَرُ مَكْرُوهًا حَصَلَ مِنْهُ أَلَمٌ فِي الْقَلْبِ سُمِّيَ خَوْفًا وَإِشْفَاقًا) وَحُزْنًا وَقَبْضًا وَغَمًّا وَكَمَدًا. وَقَدِ اخْتَلَطَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي الْخَوْفِ، فَقِيلَ: هُوَ تَوَقُّعُ مَكْرُوهٍ أَوْ فَوْتُ مَحْبُوبٍ، وَقِيلَ: هُوَ حَذَرُ النَّفْسِ مِنْ أُمُورٍ ظَاهِرُهَا تَضُرُّهُ، وَقِيلَ: تَوَقُّعُ مَكْرُوهٍ عَنْ أَمَارَةٍ مَظْنُونَةٍ أَوْ مَعْلُومَةٍ. وَأَمَّا الْإِشْفَاقُ فَعِنَايَةٌ مُخْتَلِطَةٌ بِخَوْفٍ؛ لِأَنَّ الْمُشْفِقَ يُحِبُّ الْمُشْفَقَ عَلَيْهِ، وَيَخَافُ مَا يَلْحَقُهُ، فَإِذَا عَدَّى بِمِنْ فَمَعْنَى الْخَوْفِ فِيهِ أَظْهَرُ أَوْ بِعْنَ فَمَعْنَى الْعِنَايَةِ فِيهِ أَظْهَرُ . (وَإِنْ كَانَ مَحْبُوبًا حَصَلَ مِنَ انْتِظَارِهِ، وَتَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِهِ، وَإِخْطَارِ وَجُودِهِ بِالْبَالِ لَذَّةٌ فِي الْقَلْبِ، وَارْتِيَاحٌ، سُمِّيَ ذَلِكَ الِارْتِيَاحُ رَجَاءً، فَالرَّجَاءُ هُوَ ارْتِيَاحُ الْقَلْبِ لِانْتِظَارِ مَا هُوَ مَحْبُوبٌ عِنْدَهُ) عَنْ أَمَارَةٍ مَظْنُونَةٍ أَوْ مَعْلُومَةٍ، هَذَا هُوَ مَعْنَاهُ الْعُرْفِيُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ ظَنٌّ يَقْتَضِي حُصُولَ مَا فِيهِ مَسَرَّةٌ، وَقِيلَ: هُوَ تَرَقُّبُ الِانْتِفَاعِ بِمَا تَقَدَّمَ لَهُ سَبَبٌ، وَقِيلَ: تَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِحُصُولِ مَحْبُوبٍ مُسْتَقْبَلًا، وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ: هُوَ تَعْلِيقُ الْقَلْبِ بِمَحْبُوبٍ سَيَحْصُلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَكَمَا أَنَّ الْخَوْفَ يَقَعُ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ فَكَذَلِكَ الرَّجَاءُ يَحْصُلُ لِمَا تُؤُمِّلَ فِي الِاسْتِقْبَالِ. (وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْمَحْبُوبَ الْمُتَوَقَّعَ لَابُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ سَبَبٌ) مَا تَقَدَّمَهُ (فَإِنْ كَانَ انْتِظَارُهُ لِأَجْلِ حُصُولِ أَكْثَرِ أَسْبَابِهِ فَاسْمُ الرَّجَاءِ عَلَيْهِ صَادِقٌ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ انْتِظَارًا مَعَ انْخِرَامِ أَسْبَابِهِ وَاضْطِرَابِهَا فَاسْمُ الْغُرُورِ وَالْحُمْقِ عَلَيْهِ أَصْدَقُ مِنَ اسْمِ الرَّجَاءِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْأَسْبَابُ مَعْلُومَةَ الْوُجُودِ، وَلَا مَعْلُومَةَ الِانْتِفَاءِ، فَاسْمُ التَّمَنِّي أَصْدَقُ عَلَى انْتِظَارِهِ لِأَنَّهُ انْتِظَارٌ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ) وَطَلَبٌ لِمَا لَا طَمَعَ فِي وُقُوعِهِ كَلَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالتَّمَنِّي أَنَّ التَّمَنِّيَ يُصَاحِبُهُ الْكَسَلُ، وَلَا يَسْلُكُ طَرِيقَ الْجُهْدِ وَالْجَدِّ، وَبِعَكْسِهِ صَاحِبُ الرَّجَاءِ . (وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا يُطْلَقُ اسْمُ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ إِلَّا عَلَى مَا يَتَرَدَّدُ فِيهِ) وَيَكُونُ التَّوَقُّعُ عَنْ أَمَارَةٍ إِمَّا مَظْنُونَةً أَوْ مَعْلُومَةً. (أَمَّا مَا يُقْطَعُ بِهِ فَلَا؛ إِذْ لَا يُقَالُ أَرْجُو طُلُوعَ الشَّمْسِ وَقْتَ الطُّلُوعِ، وَأَخَافُ غُرُوبَهَا وَقْتَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ: طُلُوعُهَا وَغُرُوبُهَا فِي وَقْتِهِمَا (مَقْطُوعٌ بِهِ، نَعَمْ يُقَالُ أَرْجُو نُزُولَ الْمَطَرِ، وَأَخَافُ انْقِطَاعَهُ) فَإِنَّ نُزُولَهُ وَانْقِطَاعَهُ لَيْسَ لَهُمَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ يُقْطَعُ بِهِ. (وَقَدْ عَلِمَ أَرْبَابُ الْقُلُوبِ) مِمَّنْ نَوَّرَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ (أَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةٌ لِلْآخِرَةِ) كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ (وَالْقَلْبَ كَالْأَرْضِ) فِي قَبُولِهِ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ (وَالْإِيمَانَ كَالْبَذْرِ فِيهِ، وَالطَّاعَاتِ جَارِيَةٌ مَجْرَى تَقْلِيبِ الْأَرْضِ وَتَطْهِيرِهَا، وَمَجْرَى حَفْرِ الْأَنْهَارِ وَسِيَاقَةِ الْمَاءِ إِلَيْهَا، فَالْقَلْبُ الْمُسْتَهْتِرُ بِالدُّنْيَا) أَيْ: الْمُولَعُ بِهَا (الْمُسْتَغْرِقُ بِهَا، كَالْأَرْضِ السَّبْخَةِ الَّتِي لَا يَنْمُو فِيهَا الْبَذْرُ) أَيْ: لَا يَزِيدُ نُمُوًّا (وَيَوْمُ الْقِيَامَةِ يَوْمُ الْحَصَادِ، وَلَا يَحْصُدُ أَحَدٌ إِلَّا مَا زَرَعَ) فَإِنَّ مَنْ زَرَعَ حَصَدَ . (وَلَا يَنْمُو زَرْعٌ إِلَّا مِنْ بَذْرِ الْإِيمَانِ، وَقَلَّمَا يَنْفَعُ إِيمَانٌ مَعَ خُبْثِ الْقَلْبِ وَسُوءِ أَخْلَاقِهِ، كَمَا لَا يَنْمُو بَذْرٌ فِي أَرْضٍ سَبْخَةٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَاسَ رَجَاءُ الْعَبْدِ الْمَغْفِرَةَ بِرَجَاءِ صَاحِبِ الزَّرْعِ، فَكُلُّ مَنْ طَلَبَ أَرْضًا طَيِّبَةً، وَأَلْقَى فِيهَا بَذْرًا جَيِّدًا غَيْرَ عَفِنٍ، وَلَا مُسَوَّسٍ، ثُمَّ أَمَدَّهُ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَهُوَ سَوْقُ الْمَاءِ إِلَيْهِ فِي أَوْقَاتِهِ) وَهُوَ فِي مَبْدَأِ نَشْأَتِهِ (ثُمَّ نَقَّى الْأَرْضَ مِنَ الشَّوْكِ وَالْحَشِيشِ، وَكُلَّ مَا يَمْنَعُ نَبَاتَ الْبَذْرِ أَوْ يُفْسِدُهُ) بَعْدَ النَّبَاتِ بِأَنْ يُصَفِّرَ أَوْرَاقَهُ وَيُضْعِفَ قُوَّتَهُ (ثُمَّ جَلَسَ مُنْتَظِرًا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى دَفْعَ الصَّوَاعِقِ) مِنَ الرِّيَاحِ الْمُحْرِقَةِ (وَالْآفَاتِ الْمُفْسِدَةِ) مِنَ الدُّودِ وَالْجَلِيدِ وَغَيْرِهِمَا (إِلَى أَنْ يَتِمَّ الزَّرْعُ وَيَبْلُغَ غَايَتَهُ سَمَّى انْتِظَارَهُ رَجَاءً. وَإِنْ بَثَّ الْبَذْرَ فِي أَرْضٍ صُلْبَةٍ) لَا تَنْبُتُ أَوْ (سَبْخَةٍ) أَوْ (مُرْتَفِعَةٍ لَا يَنْصَبُّ إِلَيْهَا الْمَاءُ وَ) هُوَ مَعَ ذَلِكَ (لَمْ يَشْتَغِلْ بِتَعَهُّدِ الْبَذْرِ أَصْلًا ثُمَّ انْتَظَرَ الْحَصَادَ سُمِّيَ انْتِظَارُهُ حُمْقًا، وَغُرُورًا لَا رَجَاءً. وَإِنْ بَثَّ الْبَذْرَ فِي أَرْضٍ طَيِّبَةٍ، وَلَكِنْ لَا مَاءَ لَهَا، وَلَكِنْ يَنْتَظِرُ مِيَاهَ الْأَمْطَارِ حَيْثُ لَا تَغْلِبُ الْأَمْطَارُ وَلَا تَمْتَنِعُ أَيْضًا) كَالْأَرَاضِي الْمِصْرِيَّةِ (سُمِّيَ انْتِظَارُهُ تَمَنِّيًا، لَا رَجَاءً) . (فَإِذَا اسْمُ الرَّجَاءِ إِنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى انْتِظَارِ مَحْبُوبٍ تَمَهَّدَتْ جَمِيعُ أَسْبَابِهِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَا لَيْسَ يَدْخُلُ تَحْتَ اخْتِيَارِهِ، وَهُوَ فَضْلُ اللَّهِ تَعَالَى بِصَرْفِ الْقَوَاطِعِ وَالْمُفْسِدَاتِ) وَالْمَوَانِعِ (فَالْعَبْدُ إِذَا بَثَّ بَذْرَ الْإِيمَانِ وَسَقَاهُ بِمَاءِ الطَّاعَاتِ، وَطَهَّرَ الْقَلْبَ عَنْ شَوْكِ الْأَخْلَاقِ الرَّدِيَّةِ، وَانْتَظَرَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى تَثْبِيتَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْمَوْتِ وَحُسْنِ الْخَاتِمَةِ) الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ الْكَامِلَةِ الشَّامِلَةِ (كَانَ انْتِظَارُهُ رَجَاءً حَقِيقِيًّا مَحْمُودًا فِي نَفْسِهِ بَاعِثًا لَهُ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ وَالْقِيَامِ بِمُقْتَضَى الْإِيمَانِ فِي إِتْمَامِ أَسْبَابِ الْمَغْفِرَةِ إِلَى الْمَوْتِ، وَإِنْ قَطَعَ عَنْ بَذْرِ الْإِيمَانِ تَعَهَّدَهُ بِمَاءِ الطَّاعَاتِ، وَتَرَكَ الْقَلْبَ مَشْحُونًا بِرَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ، وَانْهَمَكَ فِي طَلَبِ لَذَّاتِ الدُّنْيَا ثُمَّ انْتَظَرَ الْمَغْفِرَةَ) وَعُلُوَّ الدَّرَجَاتِ (فَانْتِظَارُهُ حُمْقٌ وَغُرُورٌ) فِي الْحَالَاتِ (قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَ (الْأَحْمَقُ) ، وَفِي لَفْظٍ: الْعَاجِزُ (مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادِ ابْنِ أَوْسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. (وَقَالَ تَعَالَى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) هُوَ اسْمُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ (وَقَالَ تَعَالَى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ) . (وَذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى صَاحِبَ الْبُسْتَانِ) بِفِلَسْطِينَ وَاسْمُهُ أَبُو فَطَرَسَ (إِذْ دَخَلَ جَنَّتَهُ وَقَالَ: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ) فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ انْتِظَارَ الْمَغْفِرَةِ وَالدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ مَعَ الِانْهِمَاكِ فِي الشَّهَوَاتِ النَّفْسِيَّةِ حُمْقٌ وَغُرُورٌ وَعَجْزٌ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية