الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فخلق الله تعالى بينها وبين الكبد مجاري من العروق ، وجعل لها فوهات كثيرة حتى يصب الطعام فيها فينتهي إلى الكبد والكبد معجون من طينة الدم : حتى كأنه دم وفيه عروق كثيرة شعرية منتشرة في أجزاء الكبد فينصب الطعام الرقيق النافذ فيها وينتشر في أجزائها حتى تستولي عليه قوة الكبد فتصبغه بلون الدم فيستقر فيها ريثما يحصل له نضج آخر ويحصل له هيئة الدم الصافي الصالح لغذاء الأعضاء إلا أن حرارة الكبد هي التي تنضج هذا الدم فيتولد من هذا الدم فضلتان كما يتولد في جميع ما يطبخ ، إحداهما شبيهة بالدردي والعكر وهو الخلط السوداوي والأخرى شبيهة بالرغوة وهي الصفراء : ولو لم تفصل عنها الفضلتان فسد مزاج الأعضاء فخلق الله تعالى المرارة والطحال ، وجعل لكل واحد منهما عنقا ممدودا إلى الكبد داخلا في تجويفه ، فتجذب المرارة الفضلة الصفراوية ويجذب ، الطحال العكر السوداوي فيبقى الدم صافيا ليس فيه إلا زيادة رقة ورطوبة لما فيه من المائية ، ولولاها لما انتشر في تلك العروق الشعرية ، ولا خرج منها متصاعدا إلى الأعضاء فخلق الله سبحانه الكليتين ، وأخرج من كل واحدة منهما عنقا طويلا إلى الكبد .

التالي السابق


وقد ظن بعض الناس أن المعدة تغتذى من الكيلوس، وهو خطأ، لأن الكيلوس لا يصلح للغذاء دون أن يصير إلى الكبد وينهضم فيها، ويستحيل إلى الدم، وباقي الأخلاط، ثم يمتاز الدم عنها كما، فيكون غذاء للأعضاء [ ص: 110 ] وإليه أشار المصنف بقوله: (فخلق الله بينها وبين الكبد مجاري من العروق، وجعل لها فوهات كثيرة حتى ينصب الطعام فيها فيتهيأ إلى الكبد) . يشير إلى أن ذلك الكيلوس بعد ذلك ينجذب لطيفه بواسطة جاذبة الكبد، ودافعة المعدة والأمعاء من أواخر المعدة ومن الأمعاء، فيندفع من طريق العروق المسماة باساريقا وهي عروق دقاق صلاب متصلة بالأمعاء كلها، ويأخذ المعدة إلى العرق المسمى بباب الكبد، وينفذ في الكبد في أجزاء وفروع للباب داخلة متصغرة متضائلة كالشعر ملاقية لفوهات أجزاء أصل العرق الطالع من هدبة الكبد .

(والكبد جسم) مركب من اللحم والعروق والشرايين والغشاء الذي يسترها ويحفظها على وضعها، وليس لها في نفسها حس لكن لغشائها حس كثير (معجون من طينة الدم) أي: لونه ولحمه شبيه بالدم الجامد (حتى كأنه دم وفيه عروق كثيرة شعرية منتشرة في أجزاء الكبد) ونباتها منه، وشكله هلالي، وموضعه الجانب الأيمن تحت الضلوع العالية من ضلوع الخلف، وظهره ملاصق بتلك الضلوع في بعض الناس دون بعض، وبطنه ملاصق بالمعدة، أعلاه فيما بين حجاب الصدر، وأسفله ينتهي إلى الخاصرة، مربوط بأربطة تتصل بالغشاء الذي عليه، وله تقعير في الجانب الذي يلي المعدة، وله قوة مصاصة بها يجذب الكيلوس من المعدة، وآلته لهذا العمل العروق المسماة بـ"الماساريقا" فيها القوة المصاصة كما في الكبد. (فينصب الطعام الرقيق النافذ فيها وينتشر في أجزائها) أي: يتفرق في ليف هذه العروق فيصير الكبد كأنها بكليتها ملاقية لكلية هذا الكيلوس (حتى تستولى عليه قوة الكبد فتصبغه بلون الدم فيستقر فيها ريثما يحصل له فصح آخر) . وهذا هو الهضم الثاني (ويحصل له هيئة الدم الصافي الصالح لغذاء الأعضاء إلا أن حرارة الكبد هي التي تنضج هذا الدم فتتولد من هذا الدم فضلتان كما يتولد في جميع ما يطبخ، إحداهما شبيهة بالدردي والعكر) وهو ما يتبقى في أسفل الزيت، (وهو الخلط السوداوي) والمراد بالخلط الكيموس، وهو جسم رطب يستحيل إليه الغذاء أولا. (والأخرى شبيهة بالرغوة وهي الصفراء) أي: في كل انطباخ لمثل هذا الكيلوس يحصل شيء كالرغوة، وشيء كالرسوب، وربما كان معهما إما شيء إلى الاحتراق إن أفرط الطبخ أو شيء كالقبح إن قصر الطبخ، فالرغوة هي الصفراء، والرسوب هو السوداء، وهما طبيعيان، والمحترق لطيفة صفراء محترقة وكثيفة سوداء ردية، وهما غير طبيعيين .

وأما الشيء المتصفي من هذه الجملة نضيجا فهو الدم ثم الصفراء، إما طبيعية وهي رغوة الدم حمراء اللون ناصعته بحيث تضرب إلى صفرة كشعر الزعفران، فإذا تولدت في الكبد انقسمت قسمان قسم يذهب مع الدم ليخالط الدم في تغذية الأعضاء التي يستحق أن يكون في غذائها جزء صالح من الصفراء، مثل الرئة، ويلطف الدم لينفذ في المسالك الضيقة، وقسم يتصفى إلى المرارة ليخلص البدن من الفضل ويغذي المرارة، وأن ينصب منه قسط من المرارة إلى الأمعاء ليغسلها من الثفل والبلغم اللزج، وإلى عضل المقعدة ليحس بالحاجة إلى التبرز، وإما غير طبيعية إما لاختلاطها بالبلغم الغليظ، وهي المخية، وإما لاحتراقها في نفسها، وهي الرمادية، وهذان الصنفان يعرفان بالصفراء المحترقة، والثاني منهما ينقسم إلى كرائي وزنجاري، ولكل منهما أحكام، وهما إنما يتولدان في المعدة غالبان وقد ينصبان من العروق والكبد إلى المعدة نادرا. (ولو لم تفضل عنهما الفضلتان فسد مزاج الأعضاء فخلق الله تعالى المرارة والطحال، وجعل لكل واحد منهما عنقا ممدودا إلى الكبد داخلا في تجويفه، فتجذب المرارة الفضلة الصفراوية، ويجلب الطحال العكر السوداوي فيبقى الدم صافيا ليس فيه إلا زيادة رقة ورطوبة لما فيه من المائية، ولولاها لما انتشر في تلك العروق الشعرية، ولا خرج منها متصاعدا إلى الأعضاء) .

اعلم أن المرارة عضو عصباني ذو طبقة واحدة، وهي كخريطة منسوجة من الأنواع الثلاث من الليف المستقيم، والعريض، والمورب، معلقة من الكبد من ناحية المعدة، وهي وعاء الصفراء، وبالوعتها، وهي موضوعة على الزائدة الكبيرة من زوائد الكبد. وله منفذان أحدهما متصل إلى تقعير الكبد فبه يصير الصفراء إليها، والثاني متصل إلى الأمعاء الاثنى عشر ينفذ فيه ما فضل من الصفراء وينزل إلى الأمعاء المذكورة ثم يصير إلى الأمعاء الأخر لدفع الثفل، وتنظيف الأمعاء من الرطوبات [ ص: 111 ] الغليظة بواسطة الحدة. وأما الطحال فهو عضو مستطيل الشكل كاللسان، سخيف اللحم، كمد اللون، وهو وعاء السوداء، وبالوعتها، وموضعه في الجانب الأيسر من ضلوع الخلف والمعدة، ويلزم المعدة من جانب، وضلوع الخلف من آخر، وأكثره تحت المعدة. وقد ربط بربط متصلة بالغشاء الذي عليه، وجعل متخلخلا، ليستقر السوداء المنجذب إليه في تضاعيفه، وجعل فيه الشرايين الكثيرة. وينبت عنه قناتان إحداهما عن طرفه ويتصل بالكبد عند تقعيره، والثانية من داخله وتتصل بالمعدة وبها يندفع شيء من السوداء إلى المعدة لتنبيه شهوة الطعام. ثم إن الدم بعد ما دام في الكبد يكون أرق مما ينبغي لفضل المائية المحتاج إليها لترقيق الكيلوس وتنفيذه في المسالك الضيقة، وتنفصل عنها كما تنفصل عن الكبد فينجذب عنه في عرق نازل إلى الكليتين، وإليه أشار المصنف بقوله: (فخلق الله سبحانه الكليتين، وأخرج من كل واحدة) منهما (عنقا طويلا إلى الكبد) وكل منهما مركب من لحم مكتنز صلب قليل الحمرة، وعروق وشراينات، وهما موضوعتان عن جنبتي خرز الصلب بالقرب من الكبد اليمنى، وشكلهما كنصف دائرة، ومحدبهما إلى طرف خرز الظهر، ليتمكن الإنسان من الانحناء بسهولة، وجوهرهما مندمج صلب لئلا ينفذ فيهما لا الماء الرقيق، ومزاجهما يميل إلى البرودة والرطوبة بسبب الأوردة والشراينات فيهما، وتنكسر بذلك حدة الصفراء النازلة إليهما مع الماء فلا تحرق المثانة إذا نزلت إليها، ولا حس لهما لئلا يحسا بحدة الصفراء الممزوجة بالماء النازل إليهما فيحفظ الماء ريثما ينطبخ فينهضم قدر من الدم المخالط لذلك أيضا بحيث يصلح لأن يكون غذاء لهما .




الخدمات العلمية