الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فهذه هي أصول معاني الشكر المحيطة بمجموع حقيقته .

فأما قول من قال : إن الشكر هو الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع فهو نظر إلى فعل اللسان مع بعض أحوال القلب وقول من قال : إن الشكر هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه نظر إلى مجرد عمل اللسان .

وقول القائل : إن الشكر هو الاعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة جامع لأكثر معاني الشكر لا يشذ منه إلا عمل اللسان وقول حمدون القصار : شكر النعمة أن ترى نفسك في الشكر طفيليا إشارة إلى أن معنى المعرفة من معاني الشكر فقط وقول الجنيد : الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة إشارة إلى حال من أحوال القلب على الخصوص وهؤلاء أقوالهم تعرب على أحوالهم فلذلك تختلف أجوبتهم ولا تتفق ، ثم قد يختلف جواب كل واحد في حالتين لأنهم لا يتكلمون إلا عن حالتهم الراهنة الغالبة عليهم اشتغالا بما يهمهم عما لا يهمهم أو يتكلمون بما يرونه لائقا بحالة السائل اقتصارا على ذكر القدر الذي يحتاج إليه وإعراضا عما لا يحتاج إليه فلا ينبغي أن تظن أن ما ذكرناه طعن عليهم وأنه لو عرض عليهم جميع ، المعاني التي شرحناها كانوا ينكرونها ، بل لا يظن ذلك بعاقل أصلا إلا أن تعرض منازعة من حيث اللفظ في أن اسم الشكر في وضع اللسان هل يشمل جميع المعاني أم يتناول بعضها مقصودا وبقية المعاني تكون من توابعه ولوازمه ، ولسنا نقصد في هذا الكتاب شرح موضوعات اللغات ، فليس ذلك من علم طريق الآخرة في شيء والله الموفق برحمته .

.

التالي السابق


(فهذه هي أصول معاني الشكر المحيطة بمجموع حقيقته، فأما قول من قال: إن الشكر هو الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع) نقله القشيري في الرسالة ولفظه: وحقيقة الشكر عند أهل التحقيق... فذكره، (فهو نظر إلى فعل اللسان مع بعض أحوال القلب) فالاعتراف من جملة أحوال القلب، والخضوع ظهوره على اللسان، وهو أيضا سبب للشكر لا نفسه. وقد ذكر القشيري أيضا أن الشكر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شكر باللسان، فهو اعتراف بالنعمة بنعت الاستكانة، وشكر بالبدن والأركان، وهو اتصاف بالوفاق والخدمة، وسيأتي ذكر القسم الثالث .

(وقول من قال: إن الشكر هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه) ولفظ الرسالة: ويحتمل أن يقال: حقيقة الشكر الثناء على المحسن بذكر إحسانه إليه، وشكر الحق سبحانه للعبد ثناؤه عليه بذكر إحسانه له، (نظر إلى مجرد عمل اللسان) لأن الثناء والمدح من عمل اللسان خاصة، (وقول القائل: إن الشكر هو اعتكاف على بساط الشهود) أي: حضور الفضل ورؤيته (بإدامة حفظ الحرمة) ، وهذا هو القسم الثالث من أقسام الشكر، وهو شكر القلب، كما في الرسالة، وحقيقة الشكر إنما تحصل باجتماع هذه الثلاثة مع الإمكان، وهو (جامع لأكثر معاني الشكر لا يشذ منه إلا عمل اللسان) الذي هو الاعتراف بالنعمة بنعت الخضوع، وقريب منه قول أبي بكر الوراق: "شكر النعمة مشاهدة المنة، وحفظ الحرمة"، ولكن هذا سبب للشكر لا نفسه، وليس بجامع كالقول السابق .

(وقول حمدون القصار:) وهو أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة النيسابوري، منه انتشر مذهب الملامتية بنيسابور، صحب أبا تراب النخبشي، ومسلما الباروسي، مات سنة إحدى وتسعين ومائتين (شكر النعمة أن ترى نفسك في الشكر طفيليا) نقله القشيري أي: تضيف النعمة إلى فاعلها، وتبرأ من إضافتها إليك، وهو (إشارة إلى أن معنى المعرفة من معاني الشكر فقط) كأنه يرجع إلى الاعتراف بالنعمة وإضافتها للمنعم، ويقرب منه قول بعضهم: "الشكر إضافة النعم إلى موليها بنعت الاستكانة"، وهذا أيضا يرجع إلى معنى الاعتراف، وليس بجامع حقيقة الشكر .

(وقول الجنيد:) قدس سره (إن الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة) نقله القشيري، أي: لأن من لم ير ذلك ورأى أن النعمة فضل من الله تعالى استحيا من الله أن يكون شكره جزاء عليها، لأنه إذا لاحظ شكر نعمة أخرى احتاج إلى شكر، فهو يتبرأ من أن يكون شاكرا أبدا، وهو (إشارة إلى حال من أحوال القلب على الخصوص) ، ويقرب منه قول يحيى بن معاذ: "لست بشاكر ما دمت تشكر، وغاية الشكر التحير" .

(وهؤلاء) السادة (أقوالهم تعرب) أي: تفصح (عن أحوالهم) التي هي ثمرات أعمالهم، (فلذلك تختلف أجوبتهم ولا تتفق، ثم قد يختلف جواب كل واحد في حالين) مختلفتين (لأنهم لا يتكلمون إلا عن حالتهم الراهنة) أي: الثابتة في الحال (الغالبة عليهم) في الوقت (اشتغالا بما يهمهم عما لا يهمهم أو يتكلمون بما يرونه لائقا بحال السائل اقتصارا) منهم (على ذكر القدر الذي يحتاج إليه وإعراضا عما لا يحتاج إليه) ، فمن ذلك قول بعضهم: حقيقة الشكر نطق القلب وإقراره بإنعام الرب، وقيل: هو الاستقامة في عموم الأحوال، وقال أبو عثمان: الشكر معرفة العجز عن الشكر، وقال رويم: الشكر استفراغ الطاعة، وقيل: الشكر التلذذ بثنائه على ما لم يستوجبه من عطائه، وقيل: هو قيد موجود وصيد مفقود، وقيل: هو الغيبة عن الشكر برؤية المنعم، (فلا ينبغي أن تظن أن ما ذكرناه طعن عليهم، وأنه لو عرض عليهم مجامع المعاني التي شرحناها كانوا ينكرونها، بل لا يظن ذلك بعاقل أصلا إلا أن تعرض منازعة من حيث اللفظ في أن اسم الشكر في وضع اللسان) الذي هو الكشف والإظهار (هل يشمل جميع المعاني) المذكورة (أو يتناول بعضا مقصودا) بالذات (وبقية المعاني تكون [ ص: 55 ] من توابعها ولوازمها، ولسنا نقصد في هذا الكتاب شرح موضوعات اللغات، فليس ذلك من علم طريق الآخرة في شيء) والله الموفق برحمته .




الخدمات العلمية