الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
والتشديدات الواردة في الأمن من مكر الله وعذابه لا تنحصر ، وكل ذلك ثناء على الخوف ؛ لأن مذمة الشيء ثناء على ضده الذي ، ينفيه وضد الخوف الأمن ، كما أن ضد الرجاء اليأس ، وكما دلت مذمة القنوط على فضيلة الرجاء فكذلك تدل مذمة الأمن على فضيلة الخوف المضاد له . بل نقول : كل ما ورد في فضل الرجاء فهو دليل على فضل الخوف ؛ لأنهما متلازمان ، فإن كل من رجا محبوبا فلابد وأن يخاف ، فوته فإن كان لا يخاف فوته فهو إذا لا يحبه فلا يكون بانتظاره ، راجيا فالخوف والرجاء متلازمان يستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر نعم يجوز أن يغلب أحدهما على الآخر ، وهما مجتمعان ويجوز أن يشتغل القلب بأحدهما ولا يلتفت إلى الآخر في الحال ، لغفلته عنه ، وهذا لأن من شرط الرجاء والخوف تعلقهما بما هو مشكوك فيه ؛ إذ المعلوم لا يرجى ولا يخاف فإذا المحبوب الذي يجوز وجوده ويجوز عدمه لا محالة ، فتقدير وجوده يروح القلب وهو الرجاء ، وتقدير عدمه يوجع القلب وهو الخوف ، والتقديران يتقابلان لا محالة ، إذا كان ذلك الأمر المنتظر مشكوكا فيه ؛ نعم أحد طرفي الشك قد يترجح على الآخر بحضور بعض الأسباب ، ويسمى ذلك ظنا فيكون ذلك سبب غلبة أحدهما على الآخر فإذا غلب على الظن وجود المحبوب قوي الرجاء وخفي الخوف ، بالإضافة إليه ، وكذا بالعكس وعلى كل حال فهما متلازمان ولذلك قال تعالى : ويدعوننا رغبا ورهبا ، وقال عز وجل : يدعون ربهم خوفا وطمعا . ولذلك عبر العرب عن الخوف

بالرجاء فقال تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارا أي لا تخافون وكثيرا ما ورد في القرآن الرجاء بمعنى الخوف وذلك لتلازمهما إذ عادة العرب التعبير عن الشيء بما يلازمه : بل أقول : كل ما ورد في فضل البكاء من خشية الله فهو إظهار لفضيلة الخشية ، فإن البكاء ثمرة الخشية ، فقد قال تعالى : فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا وقال تعالى يبكون ويزيدهم خشوعا وقال عز وجل : أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون : وقال صلى الله عليه وسلم : ما من عبد مؤمن تخرج من عينيه دمعة وإن كانت مثل رأس الذباب من خشية الله تعالى ثم تصيب شيئا من حر وجهه إلا حرمه الله على النار وقال صلى الله عليه وسلم إذا اقشعر جلد المؤمن من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة ورقها وقال صلى الله عليه وسلم : لا يلج النار أحد بكى من خشية الله تعالى حتى يعود اللبن في الضرع وقال عقبة بن عامر ما النجاة يا رسول الله ؟ قال : أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك وقالت عائشة رضي الله عنها قلت : يا رسول الله أيدخل أحد من أمتك الجنة بغير حساب ؟ قال : نعم ؛ من ذكر ذنوبه فبكى وقال صلى الله عليه وسلم : ما من قطرة أحب إلى الله تعالى من قطرة دمع من خشية الله تعالى أو قطرة دم أهريقت في سبيل الله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم : اللهم ارزقني عينين هطالتين تشفيان القلب بذروف الدمع مع خشيتك قبل أن تصير الدموع دما والأضراس جمرا : وقال صلى الله عليه وسلم : سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله ذكر منهم رجلا ذكر الله خاليا ففاضت عيناه وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : من استطاع أن يبكي فليبك ، ومن لم يستطع فليتباك

وكان محمد بن المنكدر رحمه الله إذا بكى مسح وجهه ولحيته بدموعه ، ويقول :

بلغني أن النار لا تأكل موضعا مسته الدموع .

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : ابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا ، فوالذي نفسي بيده لو يعلم العلم أحدكم لصرخ حتى ينقطع صوته ، وصلى حتى ينكسر صلبه .

التالي السابق


(والتشديدات الواردة في الأمن من مكر الله وعذابه لا تنحصر، وكل ذلك ثناء على الخوف؛ لأن مذمة الشيء ثناء على ضده الذي يتقيه، وضد الخوف الأمن، كما أن ضد الرجاء اليأس، وكما دل مذمة القنوط على فضيلة الرجاء فكذلك تدل مذمة الأمن على فضيلة الخوف [ ص: 213 ] المضاد له. بل نقول: كل ما ورد في فضل الرجاء فهو دليل على فضل الخوف؛ لأنهما متلازمان، فإن كل من رجا محبوبا فلابد وأن يخاف فواته، فإن كان لا يخاف فواته فهو إذا لا يحبه فلا يكون بانتظاره واجبا، فالخوف والرجاء متلازمان يستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر) . ولفظ القوت في باب الرجاء: ومن علامة صحة الرجاء في العبد كون الخوف باطنا في رجائه لأنه لما تحقق برجاء شيء خاف فوته لعظم المرجو في قلبه، وشدة اغتباطه به، فهو لا ينفك في حال رجائه من الخوف لفوت الرجاء .

(نعم يجوز أن يغلب أحدهما على الآخر، وهما مجتمعان) وهذا خلاف ما قاله بعضهم أنه لا يجوز أن يتغلب أحدهما على الآخر، لاستوائهما في التعلق بالأسباب، فتأمل ذلك. (ويجوز أن يشتغل القلب بأحدهما ولا يلتفت إلى الآخر في الحال، لغفلته عنه، وهذا لأن من شرط الرجاء والخوف تعلقهما بما هو مشكوك فيه أو مظنون؛ إذ المعلوم لا يرجى ولا يخاف) كما سبق (فإذا المحبوب الذي يجوز وجوده ويجوز عدمه لا محالة، فتقدير وجوده يروح القلب وهو الرجاء، وتقدير عدمه يوجع القلب وهو الخوف، والتقديران يتقابلان لا محالة، إذا كان ذلك الأمر المنتظر مشكوكا فيه؛ نعم أحد طرفي الشك قد يترجح بحضور بعض الأسباب، ويسمى ذلك ظنا) وهذا هو المراد لغيره .

وأما المراد لذاته فإنه مبني على الشك (فإذا غلب على الظن وجود المحبوب قوي الرجاء وغلب الخوف، بالإضافة إليه، وكذا بالعكس) فهذا معنى غلبة أحدهما على الآخر، ولو استويا في التعلق بالأسباب (وعلى كل حال فهما) وصفان (متلازمان) لا ينفك أحدهما عن الآخر. (وكذلك قال تعالى: ويدعوننا رغبا ورهبا ، وقال عز وجل: يدعون ربهم خوفا وطمعا . ولذلك عبر العرب عن الخوف بالرجاء) وسموه به (فقال تعالى) على هذه اللغة ( ما لكم لا ترجون لله وقارا أي لا تخافون) لله عظمة، أجمعوا على هذا التفسير، وهو مخرج على قولهم: ما لك لا ترجو كذا، وهم يريدون ما لك لا تخاف، وهو أيضا أحد وجهي تفسير قوله تعالى: فمن كان يرجو لقاء ربه أي يخاف من لقائه .

(وكثيرا ما ورد في القرآن الرجاء بمعنى الخوف) كما في قوله تعالى: قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ، أي يخافون عقوبات الله، كذا قوله تعالى: وترجون من الله ما لا يرجون ، أي يخافون منه ما لا يخافون (لتلازمهما) ، ولولا أنهما كشيء واحد لما فسر أحدهما بالآخر (إذ عادة العرب التعبير عن الشيء بما يلازمه) أي: من مذهبهم أن الشيء إذا كان لازما للشيء أو وصفا له أو سببا عنه أن يعبروا عنه به، ومثل أحدهما من الآخر مثل اليوم من الليلة، لما لم ينفك أحدهما عن الآخر، جاز أن يعبر عن المدة بأحدهما فيقال: ثلاثة أيام، ويقال: ثلاثة ليال، ومنه قوله تعالى مخبرا عن قصة واحدة: قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ، ثم قال: ثلاثة أيام إلا رمزا ، فلما لم يكن اليوم ينفك عن ليلته، والليلة لا تنفك عن يومها، أخبر عن أحدهما بالآخر؛ لأن أحدهما متصل بصاحبه فصارا كشيء واحد، فكيف وأن الليل والنهار أحدهما لبسة، والآخر مندرج فيه لا يظهر إلا أحدهما بحكمة الله تعالى وقدرته، لتفاوت أحكامه فيهما، وافتراق إنعامه بهما، فإذا ظهر النهار اندرج الليل فيه بقدرة الله تعالى، وإذا ظهر الليل استتر النهار لحكمة الله تعالى، وهو حقيقة إيلاجه أحدهما في الآخر، وتحقيق تكويره أحدهما على صاحبه، فكذلك حقيقة الرجاء من الخوف في معاني الملكوت إذا ظهر الخوف كان العبد خائفا، وظهرت عليه أحكام الخوف من مشاهدة التجلي، بوصف الخوف، فسمي العبد خائفا، لغلبته عليه، ويظهر الرجاء من خوفه، وإذا ظهر الرجاء كان العبد خائفا راجيا، وظهرت منه أحكام الرجاء من مشاهدة تجلي الربوبية بوصف مرجو، فوصف العبد به لأنه الأغلب عليه، وبأن الخوف في رجائه .

(بل أقول: كل ما ورد في فضل البكاء من خشية الله فهو إظهار لفضيلة الخشية، فإن البكاء ثمرة الخشية، فقد قال تعالى: فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ) [ ص: 214 ] ، وفي حديث أنس: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا. وقد سبق (وقال تعالى) في وصفه الباكين من العلماء في السجود لمزيد اليقين بالخشوع ويخرون للأذقان (يبكون ويزيدهم خشوعا وقال عز وجل: أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون ) أي: رافعون رؤوسكم متحيرون فاسجدوا لله واعبدوا (وقال صلى الله عليه وسلم: ما من عبد مؤمن تخرج من عينيه دمعة وإن كانت مثل رأس الذباب من خشية الله تعالى ثم تصيب شيئا من حر وجهه إلا حرمه الله على النار) قال العراقي: رواه الطبراني والبيهقي في الشعب من حديث ابن مسعود بسند ضعيف اهـ. قلت: وروى ابن النجار من حديث أنس: ما من عين خرج منها مثل الذباب من الدموع من مخافة الله إلا أمنها الله يوم الفزع الأكبر وعند الحاكم من ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله حتى يصيب الأرض من دموعه لم يعذبه الله يوم القيامة. (وقال صلى الله عليه وسلم إذا اقشعر جلد المؤمن من خشية الله تتحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة ورقها) قال العراقي: رواه الطبراني والبيهقي من حديث العباس بسند ضعيف اهـ. قلت: ولفظهما جلد العبد وفيه عن الشجرة البالية ورقها، ورواه كذلك الحكيم في النوادر وأبو بكر الشافعي وسمويه في فوائده والخطيب. (وقال صلى الله عليه وسلم: لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع) قال العراقي: رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة اهـ. قلت: وزاد الترمذي والنسائي: ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مسلم أبدا وقد رواه كذلك أحمد وهناد والحاكم والبيهقي. وقال القشيري في الرسالة: أخبرنا أبو بكر بن عبدوس الحيري أنبأنا أبو بكر بن دلويه الدقاق حدثنا محمد بن يزيد حدثنا عامر بن أبي الفرات حدثنا المسعودي عن محمد بن عبد الرحمن عن عيسى ابن طلحة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: .. فذكره، وعند البيهقي وحده: لا يلج النار من بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنة مصر على معصية الله، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم.

(وقال عقبة بن عامر) الجهني رضي الله عنه قلت: (ما النجاة يا رسول الله؟ قال: أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك) رواه ابن أبي الدنيا في الصمت والترمذي وحسنه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب، وقد تقدم في كتاب الصمت ورواه أحمد من حديث أبي أمامة والطبراني من حديث ابن مسعود ولفظهما املك بدل أمسك. (وقالت عائشة رضي الله عنها قلت: يا رسول الله أيدخل أحد من أمتك الجنة بغير حساب؟ قال: نعم؛ من ذكر ذنوبه فبكى) أغفله العراقي (وقال صلى الله عليه وسلم: ما من قطرة أحب إلى الله تعالى من قطرة دمع من خشية الله تعالى أو قطرة دم أهريقت في سبيل الله تعالى)قال العراقي: رواه الترمذي من حديث أبي أمامة، وقال: حسن غريب، وقد تقدم (وقال صلى الله عليه وسلم: اللهم ارزقني عينين هطالتين تشفيان) القلب (بذروف الدمع) وفي لفظ: الدموع، (قبل أن تصير) وفي لفظ تكون (الدموع دما والأضراس جمرا) قال العراقي: رواه الطبراني في الكبير وفي الدعاء وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر بإسناد حسن ورواه الحسين المروزي في زياداته على الزهد والرقائق لابن المبارك من رواية سالم بن عبد الله مرسلا دون ذكر أبيه، وذكر الدارقطني في العلل أن من قال فيه عن أبيه وهم، وإنما هو عن سالم بن عبد الله مرسلا قال: وسالم هذا يشبه أن يكون سالم بن عبد الله المحاربي وليس بابن عمر اهـ. وما ذكره من أنه سالم المحاربي هو الذي يدل عليه كلام البخاري في التاريخ ومسلم في الكنى وابن أبي حاتم عن أبيه وأبي أحمد الحاكم فإن الراوي له عن سالم ثابت بن شريح أبو سلمة وإنما ذكروا له رواية عن سالم المحاربي، والله أعلم. نعم حكى ابن عساكر في تاريخه الخلاف في أن الذي يروي عنه سالم المحاربي أو سالم بن عبد الله بن عمر اهـ. قلت: ومن جزم أنه سالم المحاربي لا ابن عمر أبو زرعة كما هو بخط الحافظ ابن حجر. (وقال صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله ذكر منهم رجلا ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) رواه أحمد والشيخان والنسائي وابن حبان من حديث أبي هريرة ورواه الترمذي عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد [ ص: 215 ] ورواه مسلم عنهما معا، وقد تقدم مرارا (وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: من استطاع أن يبكي فليبك، ومن لم يستطع فليتباك) أي ليتكلف البكاء .

(وكان) أبو عبد الله (محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير التيمي، من حفاظ التابعين، مات سنة ثلاثين ومائة عن نيف وسبعين سنة، روى له الجماعة، قال ابن حبان: من سادات القراء، لا يتملك من البكاء إذا قرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا بكى مسح وجهه ولحيته بدموعه، ويقول: بلغني أن النار لا تأكل موضعا مسته الدموع. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فوالذي نفسي بيده لو يعلم العلم أحدكم لصرخ حتى ينقطع صوته، وصلى حتى ينكسر ظهره) . رواه أحمد في الزهد حدثنا وكيع حدثنا عبد الجبار بن الورد عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمر وقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، ولو تعلمون حق العلم لصرخ أحدكم حتى ينقطع صوته، ولسجد حتى ينقطع صلبه. ورواه أبو نعيم في الحلية من طريقه، وروى من طريق قسامة بن زهير قال: خطبنا أبو موسى الأشعري بالبصرة فقال: أيها الناس ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع، ثم يكون الدماء، حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت.




الخدمات العلمية