الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
ثم قال أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد وقال شهد الله أنه لا إله إلا هو فبين أنه الدليل على نفسه وذلك ليس متناقضا بل طرق الاستدلال مختلفة .

فكم من طالب عرف الله تعالى بالنظر إلى الموجودات وكم من طالب عرف كل الموجودات بالله تعالى كما قال بعضهم : عرفت ربي بربي ولولا ربي لما عرفت ربي وهو معنى قوله تعالى : أولم : يكف بربك أنه على كل شيء شهيد وقد وصف الله تعالى نفسه بأنه المحيي والمميت ثم فوض الموت والحياة إلى ملكين ففي الخبر أن ملكي الموت والحياة تناظرا فقال ملك الموت : أنا أميت الأحياء ، وقال ملك الحياة : أنا أحيي الموتى ، فأوحى الله تعالى إليهما كونا على عملكما وما سخرتكما له من الصنع وأنا المميت والمحيي لا يميت ولا يحيي سواي .

التالي السابق


(ثم قال) تعالى ( أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) وهذا مقام التوحيد (وقال) أيضا في مقام التوحيد: ( شهد الله أنه لا إله إلا هو فبين أنه الدليل على نفسه) وقال أيضا فيما روي عنه تعالى في الإسرائيليات: أنا الدليل على نفسي لا دليل أدل علي مني (وذلك ليس متناقضا بل طرق الاستدلال مختلفة، فكم من طالب عرف الله تعالى بالنظر إلى الموجودات) وهو من أهل المرتبة الثالثة من التوحيد، وإليه الإشارة بقوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم .

(وكم من طالب عرف كل الموجودات بالله) وهو من أهل المرتبة الرابعة من التوحيد وهم قوم رأوا الله سبحانه وتعالى ثم رأوا الأشياء بعد ذلك به، فلم يروا في الدارين غيره ولا اطلعوا في الوجود على سواه (كما قال بعضهم: عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي) ومقام من قبله: لولا المربي لما عرفت ربي (وهو [ ص: 427 ] معنى قوله تعالى: أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) .

وقال المصنف في المقصد الأسنى: ولما كان أكثر الخلق يرون كل شيء سواه فيستشهدون بما يرون عليه وهم المخاطبون به بقوله تعالى: أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء والصديقون لا يرون شيئا سواه فيستشهدون به عليه وهم المخاطبون بقوله تعالى: أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد .

(وقد وصف الله تعالى نفسه بأنه) هو (المحيي المميت ثم) جعل للإحياء واسطة كما جعل للموت وهو إسرافيل صاحب الصور ينفخ فيه النفخة الثانية فيحيي كل ميت و (فوض الموت والحياة إلى ملكين ففي الخبر أن ملكي الموت والحياة تناظرا فقال ملك الموت: أنا أميت الأحياء، وقال ملك الحياة: أنا أحيي الموتى، فأوحى الله تعالى إليهما كونا على عملكما وما سخرتكما له من الصنع فأنا المحيي وأنا المميت لا يميت ولا يحيي سواي) هكذا نقله صاحب القوت مصدرا بقوله: وفي بعض الأخبار وكأنه يعني به الإسرائيليات وكذلك قال العراقي: لم أجد له أصلا .

وفي الباب مما لم يذكره المصنف قوله تعالى في التفصيل: إنهم اتخذوا الشياطين أولياء وقال في التوحيد: إنا جعلنا الشياطين أولياء كما قال في المتشابه: وأضلهم السامري وقال في المحكم: إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وقال تعالى: فإذا قرأناه فاتبع قرآنه قال أهل التفسير: فإذا قرأه عليك جبريل فخذ عنه، بعد قوله تعالى: لا تحرك به لسانك لتعجل به وكذلك قال جبريل - عليه السلام - لأهب لك غلاما زكيا لأن الله تعالى وهب له لأن يهب لها، فقد ذكر نفسه وهو يشهد ربه ثم قال في الحرف الأخير "ليهب لك" يعني الله سبحانه وتعالى .

ومثله قول موسى - عليه السلام - لا أملك إلا نفسي وأخي لأجل أن الله تعالى قال: ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا وهو في الحقيقة لا يملك نفسه ولا أخاه إذ لا مالك أصلا إلا الله تعالى، وهذا على أحد الوجهين إذا كان "وأخي" في موضع نصب، والوجه الآخر أن يكون في موضع رفع فيكون المعنى وأخي أيضا لا يملك إلا نفسه .

وقال تعالى في التفصيل لتثبيت الأحكام وتفضيل الأنام: أخرج قومك من الظلمات إلى النور وقال: لتخرج الناس من الظلمات إلى النور وفي مثله: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ثم رفعه في التوحيد وأثبت نفسه فقال: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور وقال في مثله: إنك لا تهدي من أحببت .

قال صاحب القوت ولم يمنع وجود هذه الأواسط أن يكون الله تعالى هو الأول في كل شيء وهو الفاعل لكل شيء، وأن الكون كله مكان لجريان الأفعال، الإرادة أوله والقدرة من ورائه .

لم يقل أحد من المسلمين: الملك خلقني ولا عزرائيل أماتني ولا إسرافيل أحياني كذلك أيضا لا يصح أن يقول الموقن المشاهد للتوحيد فلان أعطاني أو منعني كما لا يقول: فلان رزقني وفلان قدر علي، وإن جعل واسطة في الرزق وسببا للتقدير، وإلا كان عندهم مشركا في أسماء الله غيره، إذ كان الله هو المانع المعطي الضار النافع كما هو الحي المميت لا شريك له في ملكه ولا ظهير له من عباده في خلقه ورزقه، وهذا عندهم يقدح في حقيقة توحيد العبد، وهو من الشرك الخفي .

وقد قال بعضهم في معنى قوله تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون قال: مؤمن بالله بإقراره أن الله هو المقدر والمدبر، ومشرك في الاعتماد على الأسباب ورد الأفعال إليها ثم قال: ومثل الأواسط من الأول مثل الآلة بيد الصانع ألا ترى أنه لا يقال الشفرة حذت النعل ولا السوط ضرب العبد وإنما يقال: الحذاء حذى النعل وفلان ضرب العبد بالسوط، وإن كانت هذه الأواسط مباشرة للأفعال إلا أنها آلة بيد صانعها، كذلك الخليقة يباشرون الأسباب في ظاهر العيان والله من ورائهم محيط القادر الفاعل بلطائف القدرة وخفايا المشيئة .

ألم تر إلى قولهم: الأمير أعطاني كذا وخلع علي كذا، وإن لم يناوله بيده ولا يصلح أن يقال خادم الأمير أعطاني لأجل أنه جرى على يده وإن كان باشر العطاء بنفسه إذ قد علم أن الخادم لا يملك ولا يتصرف في ملك الأمير إلا بأمره .




الخدمات العلمية