الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة ليست لغيرهم وبعض مخاوفهم أشد من بعض فأولها خوف الإعراض وأشد منه خوف الحجاب وأشد منه خوف الإبعاد وهذا المعنى في سورة هود هو الذي شيب سيد المحبين .

إذ سمع قوله تعالى ألا بعدا لثمود ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود وإنما تعظم هيبة البعد وخوفه في قلب من ألف القرب وذاقه وتنعم به ؛ فحديث البعد في حق المبعدين يشيب سماعه أهل القرب في القرب ، ولا يحن إلى القرب من ألف البعد ولا يبكي لخوف البعد من لم يمكن من بساط القرب ثم خوف الوقوف وسلب المزيد فإنا قدمنا أن درجات القرب لا نهاية لها وحق العبد أن يجتهد في كل نفس حتى يزداد فيه قربا ؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من استوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان يومه شرا من أمسه فهو ملعون .

وكذلك قال عليه السلام : إنه ليغان على قلبي في اليوم والليلة حتى أستغفر الله سبعين مرة .

وإنما كان استغفاره من القدم الأول ؛ فإنه كان بعدا بالإضافة إلى القدم الثاني ويكون ذلك عقوبة لهم على الفتور في الطريق والالتفات إلى غير المحبوب ، كما روي أن الله تعالى يقول : إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوات الدنيا على طاعتي أن أسلبه لذيذ مناجاتي .

فسلب المزيد بسبب الشهوات عقوبة للعموم ، فأما الخصوص فيحجبهم عن المزيد مجرد الدعوى والعجب والركون إلى ما ظهر من مبادئ اللطف وذلك هو المكر الخفي الذي لا يقدر على الاحتراز منه إلا ذوو الأقدام الراسخة ثم خوف فوت ما لا يدرك بعد فوته سمع إبراهيم بن أدهم قائلا يقول ، وهو في سياحة ، وكان على الجبل :


كل شيء منك مغفو ر سوى الإعراض عنا     قد وهبنا لك ما فا
ت فهب لنا ما فات منا

فاضطرب وغشي عليه فلم يفق يوما وليلة ، وطرأت عليه أحوال ثم قال سمعت النداء من الجبل : يا إبراهيم كن عبدا ، فكنت عبدا واسترحت .

التالي السابق


(ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة) من نسبة أحوالهم (ليست لغيرهم وبعض مخاوفهم أشد من بعض) ، ولفظ القوت: وللمحب سبع مخاوف ليست لشيء من أهل المقامات بعضها أشد من بعض (فأقلها خوف الإعراض وأشد منه خوف الحجاب وأشد منه خوف الإبعاد) من حضرة القرب (وهذا المعنى من سورة هود هو الذي شيب سيد المحبين) -صلى الله عليه وسلم- (إذ سمع قوله تعالى) في سورة هود ( ألا بعدا لثمود ألا بعدا لمدين، كما بعدت ثمود ) وقال: شيبتني هود وأخواتها، وقد تقدم الكلام عليه .

(وإنما تعظم هيبة البعد وخوفه في قلب من ألف القرب وذاقه وتنعم به؛ فحديث البعد في حق المبعدين يشيب سماعه أهل القرب في القرب، ولا يحن إلى القرب من ألف البعد) ، بل ولا يعرف البعد من لم يقرب (ولا يبكي لخوف البعد من لم يمكن من بساط القرب) ولم يعهده (ثم) أشد منه (خوف الوقوف) عن التحديد (وسلب المزيد) ، وهذا يكون للخصوص في الإظهار والإخبار منهم، فيسلبون المزيد من نوعه إن كان من الآيات، وحقيقة ذلك عقوبة لهم، ويكون للعموم عند إيثار الشهوات على أوامر الطاعات (فإنا قدمنا أن درجات القرب لا نهاية لها) كما أن درجات المعرفة لا نهاية لها (وحق العبد أن يجتهد في كل نفس حتى يزداد فيه قربا؛ ولذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه شرا من أمسه فهو ملعون) .

قال العراقي: لا أعلم هذا إلا في منام لعبد العزيز بن أبي رواد، قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في النوم، فقلت: يا رسول الله أوصني، فقال ذلك بزيادة في آخره. رواه البيهقي في الزهد. اهـ .

قلت: بل رواه الديلمي من حديث محمد ابن سوقة عن الحارس عن علي به مرفوعا وسنده ضعيف، قاله الحافظ السخاوي في المقاصد، ولفظه: من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه شرا فهو ملعون، ومن لم يكن على الزيادة فهو في النقصان؛ فالموت خير له، ومن اشتاق إلى الجنة سارع في الخيرات، قلت: والشطر الأخير هو أول حديث رواه البيهقي وتمام وابن عساكر وابن النجار من حديث علي بزيادة، ولفظه: من اشتاق إلى الجنة سابق إلى الخيرات، ومن أشفق من النار لهى عن الشهوات، ومن ترقب الموت صبر عن اللذات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، وقد تقدم .

(وكذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: إنه ليغان على قلبي في اليوم والليلة حتى أستغفر الله سبعين مرة) روي ذلك من حديث الأغر بن يسار المزني بلفظ: إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة. رواه أحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن حبان والبغوي وابن قانع والباوردي والطبراني، وأما حديث الاستغفار سبعين مرة فقد روي من حديث أبي هريرة وأنس وأبي موسى، فلفظ حديث أبي هريرة: إني لأستغفر الله [ ص: 629 ] فى اليوم سبعين مرة. رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وابن السني، وروي عنه أيضا بلفظ: إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة، وروى ابن أبي شيبة وابن ماجه وابن السني، وروي عنه أيضا بلفظ: إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة وأتوب إليه. رواه أحمد، ولفظ حديث أنس: إني لأتوب إلى الله سبعين مرة. رواه النسائي وأبو يعلى وابن حبان والضياء، ورواه سمويه والضياء أيضا بلفظ: إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة، ولفظ حديث أبي موسى: إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة. رواه ابن ماجه، ورواه الطبراني بلفظ: مائة مرة، (وإنما كان استغفاره) -صلى الله عليه وسلم- (من القدم الأول؛ فإنه كان بعدا بالإضافة إلى القدم الثاني) ، وهذا أحد المعاني المذكورة في تفسير الحديث المتقدم (ويكون ذلك الوقوف وسلب المزيد (عقوبة لهم على الفتور في الطريق والالتفات إلى غير المحبوب، كما روي) في الأخبار القدسية (أن الله تعالى يقول: إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوات الدنيا على طاعتي أن أسلبه لذيذ مناجاتي) نقله صاحب القوت، وهو في الشعب عن بشر، قال: أوحى الله -عز وجل- إلى داود -عليه السلام-: يا داود، إنما خلقت الشهوات واللذات لضعفاء عبادي، فأما الأبطال فما لهم وللشهوات واللذات؟! يا داود، فلا تعلقن قلبك منها بشيء فأدنى ما أعاقبك به أن أسلب حلاوة حبي من قلبك (فسلب المزيد بسبب الشهوات عقوبة العموم، فأما الخصوص فيحجبهم عن المزيد مجرد الدعوى والعجب والركون إلى ما ظهر من مبادي اللطف) ولفظ القوت: وقد يكون عند الدعوى للمحبة ووصف النفس بحقيقتها، وإنما معه علمها دون الوجد بها فينقصون معهم ولا يفطنون لذلك (وذلك هو المكر الخفي الذي لا يقدر على الاحتراز منه إلا ذوو الأقدام الراسخة ثم) أشد منه (خوف فوت ما لا يدرك بعد فوته) ولفظ القوت: ثم خوف الفوت الذي لا درك له (سمع إبراهيم بن أدهم) رحمه الله تعالى، وهو أحد المحبين (قائلا يقول، وهو في سياحته، وكان على جبل:


كل شيء منك مغفو ر سوى الإعراض عنا قد وهبنا لك ما فا
ت بقي ما فات منا

فاضطرب) جسمه (وغشي عليه فلم يفق يوما وليلة، وطرأت عليه أحوال) في قصة طويلة كانت له بعد مقامات أقيم فيها (ثم نقل عنها إلى هذا) حتى (قال) في آخر ذلك (سمعت بالنداء من الجبل: يا إبراهيم كن عبدا، فكنت عبدا واسترحت) .

نقله صاحب القوت، وقال: معناه لا يملكك إلا واحد تكون عبدا له حرا مما سواه ولا تملك شيئا؛ فإن الأشياء في خزانة مليكها فلا تتملكها فتحجبك عن مالكك وتأسرك بمقدار ما ملكتها، وقد ضرب الله مثلا بينه وبين خلقه أن رجلين أحدهما فيه شركاء متشاكسون متشاحنون عليه من أهل ومال وشهوات، كل واحد يجذبه إليه ويريد نصيبه منه ويشغله به ويحب فراغه له وآخر سالما من الشركاء خالصا من الشرك متوحد الواحد، أنهما لا يستويان في قوله: ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله على إتقان صنعه وتحسين خلقه، بل أكثرهم لا يعلمون، أي الأكثر ليسوا علماء لهذا الواحد فتنافسوا في واحده وسلكوا شاكلة توحيده .




الخدمات العلمية