فإذا عليك بالقناعة بالنزر القليل والرضا بالقوت فإنه يأتيك لا محالة وإن فررت منه وعند ذلك على الله أن يبعث إليك رزقك على يدي من لا تحتسب ، فإن اشتغلت بالتقوى والتوكل شاهدت بالتجربة مصداق قوله تعالى : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب الآية إلا أنه لم يتكفل له أن يرزقه لحم الطير ولذائذ الأطعمة فما ضمن إلا الرزق الذي تدوم به حياته وهذا المضمون مبذول لكل من اشتغل بالضامن واطمأن إلى ضمانه فإن الذي أحاط به تدبير الله من الأسباب الخفية للرزق أعظم مما ظهر للخلق ، بل مداخل الرزق لا تحصى ، ومجاريه لا يهتدى إليها ، وذلك لأن ظهوره على الأرض وسببه في السماء .
قال الله تعالى : وفي السماء رزقكم وما توعدون وأسرار السماء لا يطلع عليها ولهذا دخل جماعة على الجنيد فقال : ماذا تطلبون قالوا : نطلب الرزق ، فقال : إن علمتم في أي موضع هو فاطلبوه .
قالوا نسأل : الله .
قال : إن علمتم أنه ينساكم فذكروه ، فقالوا : ندخل البيت ، ونتوكل وننظر ما يكون .
فقال : التوكل على التجربة شك ، قالوا : فما الحيلة ؟ قال : ترك الحيلة .
وقال أحمد بن عيسى الخراز كنت في البادية فنالني جوع شديد ، فغلبتني نفسي أن أسأل الله تعالى طعاما فقلت : ليس هذا من أفعال المتوكلين فطالبتني أن أسأل الله صبرا فلما هممت بذلك سمعت هاتفا يهتف بي ، ويقول :
ويزعم أنه منا قريب وأنا لا نضيع من أتانا ويسألنا على الإقتار جهدا
كأنا لا نراه ولا يرانا


