الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وخمسمائة

فمن الحوادث فيها:

أن جماعة من عسكر السلطان محمود جاءوا ليدخلوا إلى دار الخلافة من باب النوبي فمنعتهم خاتون ، فجاءوا إلى باب الغربة يوم الأربعاء رابع المحرم ، ومعهم جماعة من الساسة والرعاع ، وأخذوا مطارق الحدادين وكسروا باب الغربة ، ودخلوا إلى التاج ونهبوا دار الخلافة مما يلي الشط ، فخرج الجواري حاسرات يلطمن ، فدخلن دار خاتون .

قال المصنف: فرأيتهن وأنا صبي يستشفعن وقد جئن صارخات ، وجزن على باب المخزن فدخلن دار خاتون ، وضج الناس كأن الدنيا تزلزلت ، فأخبر الخليفة بالحال فخرج من السرادق ، وأبو علي بن صدقة بين يديه وقدموا السفن في دفعة واحدة ، ودخل العسكر في السلاح وترسوا في وجوههم وألبسوا الملاحين السلاح ، ورماة النشاب من ورائهم ، ورمى العيارون أنفسهم في الماء ، فعبروا وعسكر السلطان مشغولون بالنهب ، قد دخل منهم دار الخلافة نحو ألف في السلاح ، فلما رأوا عسكر الخليفة قد عبر وقع عليهم الذلة فانهزموا ، ووقع فيهم السيف ، واختفوا في السراديب ، فدخل عسكر الخليفة فأسروا جماعة وقتلوا جماعة من الأمراء ، ونهب العوام دور أصحاب السلطان [ودخلوا ] دار وزيره ، ودار العزيز بن نصر المستوفي ، ودار أبي البركات الطبيب ، وكانت عنده ودائع ، فأخذ من داره ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار ، ودخلوا [ ص: 242 ] رباط بهروز وتعرضوا للمتصوفة ، وهرب أصحاب السلطان وقتل منهم عدة وافرة في الدروب والمضايق ، وبقي الخليفة والوزير بالجانب الغربي حتى نقلت الحرم والرحل الذي كانوا أودعوه في الحريم الطاهري ودار العميد ، ثم عبر الخليفة إلى داره يوم السبت سابع المحرم ومعه العساكر ، وحفروا الخنادق ليلا عند أبواب الدروب والمسالك ، ورتب على أبواب المحال من يحرسها من ورود أصحاب السلطان ، فبقي القتال على هذا أياما ، وجاء من عسكر السلطان خلق كثير فخرج إليهم الوزير والنقيب والعسكر ، فغدر أبو الفتح ابن ورام في جماعة معه وانتقلوا إلى العسكر السلطاني ، فلما كان يوم عاشوراء انقطع القتال وترددت الرسل ولان الأمر ، وقال السلطان: أريد أن تبعث لي من يحلفني ، وأنفذ بعد ذلك وزيري ليستوثق لي ، فمال الخليفة إلى الصلح ، فبعث قاضي القضاة الزينبي ، وإسماعيل الصوفي ونيفا وثلاثين شاهدا من المعدلين ، فاحتبسهم ستة أيام ، فقال الناس: قد قبض عليهم ، ويئس الناس من الصلاح ، وحفرت الخنادق ، وسدت العقود ، وسلم كل قطر من بغداد إلى شحنة ، وأجفل أهل الجانب الغربي خوفا لكونهم سبوا السلطان وشتموه ، وكانوا يقولون: يا باطني لما لم تقدر على غزو الروم جئت تغزو الخليفة والمسلمين ، ودخل برنقش الزكوي على السلطان فأغراه بالناس فنفر السلطان ، وقال: أنت تريد أن أنهب المسلمين وأغير القبلة ، ثم تقدم من وقته إلى الوزير ، وقال: أحضر الجماعة ، فأحضروا وقت المغرب فصلى قاضي القضاة بالسلطان المغرب وسلم عليه ، فأذن له في الجلوس ، وقرأ عليه مكتوب الخليفة فقام قائما وقبل الأرض وقال: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين ، ولم يخالف في شيء مما اقترح عليه وحلف ، فعادوا بطيبة القلب وأصبح الناس مطمئنين ، وفتحت العقود ، وطمت الخنادق ، ودخل أصحاب السلطان إلى البلد وهم يقولون:

نحن منذ ثلاثة أيام ما أكلنا الخبز ، ولو لم يقع الصلح متنا جوعا ، وكان الخبز في معسكرهم كل منا بدانق ولم يوجد ، وكانوا يسلقون الطعام في الماء ثم يأكلونه ، وكان السعر في الحريم رخيصا ، فما رئي سلطان قط حاصر بلدا فكان هو المحاصر إلا هذا ، وظهر من السلطان حلم وافر عن العوام . [ ص: 243 ]

وحكى أبو المكارم بن رميضاء السقلاطوني ، قال: رأيت أبا سعد بن أبي عمامة في المنام حين اختصم المسترشد بالله ومحمود وعليه ثياب بياض ، فسلمت عليه وقلت له: من أين أقبلت؟ قال: من عند الإمام أحمد بن حنبل وها هو ورائي ، فالتفت فرأيت أحمد بن حنبل ومعه جماعة من أصحابه ، فقلت: إلى أين تقصدون؟ قالوا: إلى أمير المؤمنين المسترشد بالله لندعو له بالنصر ، فصحبتهم وانتهينا إلى الحربية إلى مسجد ابن القزويني ، فقال الإمام أحمد بن حنبل: ندخل نأخذ الشيخ معنا ، فدخل باب المسجد ، وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فإذا الصوت من صدر المسجد: وعليك السلام يا أبا عبد الله ، الإمام قد نصر ، قال: فانتبهت مرعوبا وكان كما قال الشيخ .

ثم إن أصحاب السلطان طلبوا ما نهب من دورهم ، فتقدم الخليفة إلى حاجب الباب وكان ابن الصاحب أن يأخذ العوام الذين نهبوا دور الأتراك ، فقبض على عالم كثير لا يحصى ، واسترد ما أمكن ، وأشهد عليهم أنه متى ظهر مع أحد شيء من النهب أبيح دمه ، ثم نفذ الخليفة إقبالا ، وابن الأنباري ، وابن الصاحب وفي صحبتهم خيل وبغال وجواشن وتخوت ثياب ، ثم أسرج الزبزب للوزير وجلس فيه وحجاب الديوان معه ، وركب أرباب الدولة في السفن حول الزبزب ، ونزل العوام في السفن وعلى الشط ، وكان يوما عظيما ، فدخل إلى السلطان وأدى الرسالة ، فقام السلطان وقبل الأرض ، ثم أذن للوزير في الانكفاء ، فنهض فركب في الزبزب إلى أن وصل إلى دار وزير السلطان فصعد ، فقعد عنده زمانا يتحادثان ، ثم خرج فرحا ، وتمكن أصحاب السلطان من بغداد ونودي من قبل السلطان أنه قد فتح دار ضرب ، فمن لم يقبل ديناره أبيح دمه ، فسمع الوزير بذلك فضمن للسلطان كل شهر ألف دينار ، وأزال دار الضرب ، ثم أعيد حق البيع ، وكثر الانبساط ، وجاء وزير السلطان إلى الخليفة في رابع صفر ، فدخل إليه فأكرمه كرامة لم يكرم بها وزير قط ، ثم خلع عليه وخلا هو ووزير الخليفة فتحادثا طويلا .

ومرض السلطان في المدائن وغشي عليه ، ووقع من على الفرس ، وكان مريضا [ ص: 244 ] مرضا شديدا ، فبعث له الخليفة أدوية وهدايا ، وبعث عشرة آلاف رطل خبز وعشرة أرؤس من البقر وتمرا كثيرا تصدق عنه ، ثم ركب في حادي عشر صفر ، ثم انتكس وأرجف عليه ، وكان الخليفة قد هيأ له الخلع ليجيء إليه فيخلع عليه ، فمنعه المرض ، وأشار عليه الطبيب بالخروج من بغداد ، فبعث الخليفة الخلع مع الوزير ابن صدقة فخلعها عليه وهو مطروح على جانبه ، وانصرف ثم رحل السلطان في ثاني عشر ربيع الآخر ، وأقام في المرج أياما ، ورحل يطلب همذان ، وفوض شحنكية بغداد إلى زنكي .

وجلس ابن سلمان يدرس في النظامية ، ورخصت الأسعار ببغداد ، ثم وصل الخبر من همذان في جمادى الآخرة بأن السلطان قبض على العزيز وصادره واعتقله ، وعلى الوزير فصادره واعتقله ، وكان السبب أن الوزير تكلم على العزيز ، وأن برنقش تكلم على الوزير ، وقال للسلطان: هذا أخذ الأموال من الخليفة واتفق هو ووزيره [وتحالفا ] على أن يرحلا بك من بغداد ولا تبلغ غرضا ، فكل ما جرى عليك منه .

ثم بعث السلطان إلى أنوشروان وهو مقيم بالحريم الطاهري فاستوزر ، فلم يكن له ما يتجهز به حتى بعث له الوزير جلال الدين من عند الخليفة الخيم والخيل وما يحتاج إليه ، فرحل في مستهل رمضان إلى أصبهان ، فأقام في الوزارة عشرة أشهر ، ثم استعفى وعاد إلى بغداد .

التالي السابق


الخدمات العلمية