الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
3881 - علي بن محمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الملك بن حمويه الدامغاني ، أبو الحسن بن أبي عبد الله قاضي القضاة ابن قاضي القضاة:

ولد في رجب سنة تسع وأربعين وأربعمائة ، وشهد عند أبيه أبي عبد الله في سنة ست وستين ، وفوض إليه القضاء بباب الطاق ، وما كان إلى جده أبي أمه القاضي أبي الحسن بن أبي جعفر السمناني من القضاء ، وكان يوم تقلد القضاء وعدل ابن ست عشرة سنة ، ولم يسمع أن قاضيا تولى أصغر من هذا ، وولي القضاء لأربعة خلفاء: القائم والمقتدي إلى أن مات أبوه ، ثم ولي الشافعي فعزل نفسه ، وبعث إليه الشامي يقول له:

أنت على عدالتك وقضائك ، فنفذ إليه يقول: أما الشهادة فإنها استشهدت ، وأما القضاء فقضي عليه ، وانقطع عن الولاية ، واشتغل بالعلم ، فقلده المستظهر قضاء القضاة في سنة ثمان وثمانين وكان عليه اسم قاضي القضاة وهو معزول في المعنى بالسيبي والهروي ، ولم يكن إليه إلا سماع البينة في الجانب الغربي ، لكنه كان يتطرى جاهه بالأعاجم ومخاطبتهم في معناه ، ثم ولي المسترشد فأقره على قضاء القضاة ولا يعرف بأن قاضيا تولى لأربعة خلفاء غيره ، وغير شريح إلا أبا طاهر محمد بن أحمد بن الكرخي ، قد رأيناه ولي القضاء لخمسة خلفاء ، وإن كان مستنابا: المستظهر ، والمسترشد ، والراشد ، والمقتفي ، والمستنجد . [وناب] أبو الحسن الدامغاني عن الوزارة في الأيام المستظهرية والمسترشدية بمشاركة غيره معه ، وتفرد بأخذ البيعة وللمسترشد ، وكان فقيها متدينا ذا مروءة وصدقات وعفاف ، وكان له بصر جيد بالشروط والسجلات ، وسمع الحديث من القاضي أبي يعلى بن الفراء ، وأبي بكر الخطيب ، والصريفيني وابن النقور ، وحدث . [ ص: 176 ]

وكان قد تقدم إليه المستظهر بسماع قول بعض الناس فلم يره أهلا لذلك ، فلم يسمع قوله وحدثني أبو البركات بن الجلاء الأمين ، قال: حضر أبو الحسن الدامغاني وجماعة أهل الموكب باب الحجرة ، فخرج الخادم فقال: انصرفوا إلا قاضي القضاة ، فلما انصرفوا قال له الخادم: إن أمير المؤمنين يحب يسمع كلامك ، يقول لك:

أنحن نحكمك أم أنت تحكمنا؟ قال: فقال: كيف يقال لي هذا وأنا بحكم أمير المؤمنين؟ فقال: أليس يتقدم إليك بقبول قول شخص فلا تفعل؟ قال: فبكى ثم قال [لأمير المؤمنين ] : يا أمير المؤمنين إذا كان يوم القيامة جيء بديوان ديوان فسئلت عنه ، فإذا جيء بديوان القضاء كفاك أن تقول وليته لذاك المدبر ابن الدامغاني فتسلم أنت وأقع أنا ، قال: فبكى الخليفة ، وقال: افعل ما تريد .

وقد روى رفيقنا أبو سعد السمعاني ، قال: سمعت أبا الحسن علي بن أحمد الأزدي يقول: دخل أبو بكر الشاشي على قاضي القضاة الدامغاني زائرا له فما قام قاضي القضاة ، فرجع الشاشي وما قعد ، وكان ذلك في سنة نيف وثمانين ، فما اجتمعا إلا بعد سنة خمسمائة في عزاء لابن الفقيه ، فسبق الشاشي فجلس ، فلما دخل الدامغاني قام الكل إلا الشاشي فإنه ما تزحزح ، فكتب قاضي القضاة إلى المستظهر يشكو من الشاشي أنه ما احترم حرمة نائب الشرع ، فكتب المستظهر: ماذا أقول له ، أكبر منك سنا وأفضل منك وأورع منك ، لو قمت له كان يقوم لك ، وكتب الشاشي إلى المستظهر ، يقول: فعل في حقي وصنع ووضع مرتبة العلم والشيوخة ، وكتب في أثناء القصة:


حجاب وإعجاب وفرط تصلف ومد يد نحو العلا بتكلف     فلو كان هذا من وراء كفاية
لهان ولكن من وراء تخلف

فكتب المستظهر في قصته: يمشي الشاشي إلى الدامغاني ويعتذر ، فمضى [ ص: 177 ] امتثالا للمراسم ، وكنا معه ، فقام له الدامغاني قياما تاما ، وعانقه واعتذر إليه ، وجلسا طويلا يتحدثان ، وكان القاضي يقول: تكلم والدي في المسألة الفلانية واعترض عليه فلان ، وتكلم فلان في مسألة كذا وكذا واعترض عليه والدي إلى أن ذكر عدة مسائل ، فقال له الشاشي: ما أجود ما قد حفظت أسماء المسائل .

قال المصنف رحمه الله: وكان أبو الحسن ابن الدامغاني قصر أيضا في حق أبي الوفاء ابن عقيل ، فكتب ابن عقيل إليه ما قرأته بخطه: "مكاتبة سنح بها الخاطر لتوصل إلى أبي الحسن الدامغاني قاضي القضاة يتضمن تنبيها له على خلال قد سولت له نفسه استعمالها ، فهدت من مجد منصبه ما لا يتلافاه على طول الوقت في مستقبل عمره ، لما خمره في نفوس العقلاء من ضعف رأيه وسوء خلقه الذي لم يوفق لعلاجه ، وكان مستعملا نعمة الله تعالى في مداواة نقائصه . ومن عذيري ممن نشأ في ظل والد مشفق عليه قد حلب الدهر شطريه وأتلف في طلب العلم أطيبيه ، أجمع أهل عصره على كمال عقله كما اجتمع العلماء على غزارة علمه ، اتفق تقدمه في نصبه القضاء بالدولة التركمانية والتركية المعظمة لمذهبه ، وفي عصره من هو أفضل منه بفنون من الفضل ، كأبي الطيب الطبري ، وأخلق بالرياسة كالماوردي ، وأبي إسحاق الفيروزآبادي ، وابن الصباغ ، فقدمه الزمان على أمثاله ، ومن يربي عليه في الفضل والأصل فكان أشكر الناس لنعمة الله ، فاصطنع من دونه من العلماء ، وأكرم من فوقه من الفقهاء حتى أراه الله في نفسه فوق ما تمناه من ربه ، وغشاه من السعادة ما لم يخطر بباله ، حيث رأى أبا الطيب الطبري نظير أستاذه الصيمري بين يديه شاهدا ، وله في مواكب الديوان مانعا ، وتعجرف عليه أبو محمد التميمي فكان يتلافاه بجهده ، ويأبى إلا إكرامه ويغشاه في تهنئة أو تعزية ، حتى عرض عليه القائم الوزارة فأبى تعديه رتبة القضاء ، فلما ولي ولده سلك طريقة عجيبة خرج بها عن سمت أبيه ، فقدم أولاد السوقة ، وحرم أولاد العلماء حقوقهم ، وقبل شهادة أرباب المهن ، وانتصب قائما للفساق الذين شهد بفسقهم لباسهم الحرير والذهب ، ومنع أن يحكم إلا برأي أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ، وصاح في مجلسه بأعلى صوته أنه لم يبق في الأرض مجتهد ، وهو لا يعلم ما تحت هذا الكلام من [ ص: 178 ] الفساد ، وهو إخراج عن الإجماع الذي هو آكد أدلة الشرع ، وليس لنا دليل معصوم سواه ، جعله الله في هذه الشريعة خلف النبوة حيث كان نبيها خاتم الأنبياء لا يخلفه نبي ، فجعل اجتماع أمته بدلا من نبوة بعد نبوة ، وقد علم أن المقدم عليه نقيب النقباء تقدم مميز ، وترك النظر صفحا ، وتعاطى أن لا يخاطب أحدا بما يقتضيه حاله من شيوخه أو علم أو نسب الآباء فعاد ممقوتا إلى القلوب ، وأهمله من لا حاجة إليه له ، أصلحه الله لنفسه فما أغنانا عنه" .

وكتب ابن عقيل يوبخه أيضا على تقصير في حقه "من عذيري ممن خص بولاية الأحكام وقضاء القضاة والحكم في جميع بلاد الإسلام ، فكان أحق الناس بالإنصاف ، والإنصاف لا يختص بأحكام الشرع بل حقوق الناس التي توجبها قوانين السياسة وآداب الرئاسة مما يقتضي إعطاء كل ذي حق حقه ، ويجب أن يكون هو المعيار لمقادير الناس لا سيما أهل العلم الذي هو صاحب منصبهم ، ونراه على استمرار عادته يعظم الأعاجم الواردين من الخراسانية تعظيما باللفظ وبالنهوض لهم ، وينفخ فيهم بالمدح حال حضورهم ثقة بالسماع ، والحكاية عنهم ، وبطل الثناء بعد خروجهم فيحشمهم ذلك في نفوس من لا يعرفهم ، ويتقاعد عند علماء بلده ومشيخة دار السلام الذين قد انكشفت له علومهم على طول الزمان ، ويقصر بأولاد الموتى منهم مع معرفته بمقادير أسلافهم والناس يتلمحون أفعاله ، وأكثر من يخصهم بالتعظيم لا يتعدون هذه المسائل الطبوليات ، ليس عندهم من الروايات والفروعيات خبر ، مفلوسون من أصول الفقه والدين ، لا يعتمدون إلا على الألقاب الفارغة ، وإذا لم يسلك إعطاء كل ذي حق حقه لم يطعن ذلك في المحروم بل في الحارم ، أما من جهة قصور العلم بالموازنة ، أو من طريق اعتماد الحرمان لأرباب الحقوق ، وذاك البخس البحت ، والظلم الصرف ، وذلك يعرض بأسباب التهمة في التعديل فيما سوى هذا القبيل ، ولا وجه لقول متمكن من منصبه: لا أبالي ، فقد بالى من هو أكبر منصبا ، فقال عليه السلام: "لولا أن يقال أن محمدا نقض الكعبة لأعدتها إلى قواعد إبراهيم" فتوقى أن يقول الذين قتلهم وكسر أصنامهم ، وهذا عمر يقول: "لولا أن يقال أن عمر زاد في كتاب الله لكتبت آية الرجم في حاشية المصحف" . ومن فقهه قال: في حاشية المصحف ، لأن وضع الآي كأصل الآي ، لا [ ص: 179 ] يجوز لأحد أن يضع آية في سورة من غير قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي ضعوها على رأس كذا ، فأنبأ بقوله في حاشية المصحف على هذا الفقه الدقيق .

فإن قال: لا أبالي بمن قال من علماء العراق كان العتب متضاعفا ، فيقال: قد أظهر من أعظامك الغرباء زيادة على محلهم ومقدارهم طلبا لانتشار اسمك بالمدحة ، وعلماء العراق هم بالقدح أقوم ، كما أنهم بأسباب المدح أعلم ، فاطلب السلامة تسلم ، والسلام" .

توفي أبو الحسن الدامغاني ليلة الأحد رابع عشر محرم عن ثلاث وستين سنة وستة أشهر ، ولي منها قضاء القضاة عشرين سنة وخمسة أشهر وأياما ، وصلي عليه وراء مقبرة الشونيزية ، تقدم في الصلاة عليه ابنه أبو عبد الله محمد ، وحضر النقيبان والأكابر ، ودفن في داره بنهر القلائين في الموضع الذي دفن فيه أبوه ، ثم نقل أبوه إلى مشهد أبي حنيفة .

التالي السابق


الخدمات العلمية