الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
3849 - محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني ، أبو الخطاب:

ولد في شوال سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة ، وسمع أبا محمد الجوهري ، [ ص: 153 ] والعشاري ، وابن المسلمة ، والقاضي أبا يعلى ، وتفقه عليه ، وقرأ الفرائض [على الوني] ، وصنف ، وانتفع بتصنيفه ، وحدث وأفتى ودرس ، وشهد عند قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني ، وكان ثقة ثبتا غزير الفضل والعقل ، وله شعر مطبوع ، حدثنا عنه أشياخنا .

أنشدنا محمد بن ناصر الحافظ ، قال أنشدنا أبو الخطاب محفوظ بن أحمد لنفسه:


دع عنك تذكار الخليط المنجد والشوق نحو الآنسات الخرد     والنوح في أطلال سعدى إنما
تذكار سعدى شغل من لم يسعد     واسمع مقالي إن أردت تخلصا
يوم الحساب وخذ بهديي تهتد     واقصد فإني قد قصدت موفقا
نهج ابن حنبل الإمام الأوحد      [خير البرية بعد صحب محمد
والتابعين إمام كل موحد]     ذي العلم والرأي الأصيل ومن حوى
شرفا علا فوق السها والفرقد     واعلم بأني قد نظمت مسائلا
لم آل فيها النصح غير مقلد     وأجبت عن تساؤل كل مهذب
ذي صولة عند الجدال مسود     هجر الرقاد وبات ساهر ليله
ذي همة لا يستلذ بمرقد     قوم طعامهم دراسة علمهم
يتسابقون إلى العلا والسؤدد     قالوا: بما عرف المكلف ربه؟
فأجبت بالنظر الصحيح المرشد     قالوا: فهل رب الخلائق واحد؟
قلت: الكمال لربنا المتفرد     قالوا: فهل لله عندك مشبه؟
قلت: المشبه في الجحيم الموصد     قالوا: فهل تصف الإله؟ أبن لنا
قلت: الصفات لذي الجلال السرمد     قالوا: فهل تلك الصفات قديمة
كالذات؟ قلت: كذاك لم تتجدد     قالوا: فأنت تراه جسما مثلنا؟
قلت: المجسم عندنا كالملحد



[ ص: 154 ]

قالوا: فهل هو في الأماكن كلها؟     فأجبت: بل في العلو مذهب أحمد
قالوا: أتزعم أن على العرش استوى؟     قلت: الصواب كذاك أخبر سيدي
قالوا: فما معنى استواه؟ أبن لنا     فأجبتهم: هذا سؤال المعتدي
قالوا: النزول؟ فقلت: ناقله له     قوم تمسكهم بشرع محمد
قالوا: فكيف نزوله؟ فأجبتهم     لم ينقل التكييف لي في مسند
قالوا: فينظر بالعيون؟ أبن لنا     فأجبت: رؤيته لمن هو مهتدي
[قالوا: فهل لله علم؟ قلت: ما     من عالم إلا بعلم مرتدي]
قالوا: فيوصف أنه متكلم؟     قلت: السكوت نقيصة المتوحد
قالوا: فما القرآن؟ قلت: كلامه     من غيرما حدث وغير تجدد
قالوا: الذي نتلوه؟ قلت: كلامه     لا ريب فيه عند كل مسدد
قالوا: فأفعال العباد؟ فقلت: ما     من خالق غير الإله الأمجد
قالوا: فهل فعل القبيح مراده؟     قلت: الإرادة كلها للسيد
لو لم يرده لكان ذاك نقيصة     سبحانه عن أن يعجز في الردي
قالوا: فما الإيمان؟ قلت مجاوبا     عمل وتصديق بغير تبلد
قالوا: فمن بعد النبي خليفة؟     قلت: الموحد قبل كل موحد
حاميه في يوم العريش ومن له     في الغار مسعد يا له من مسعد
خير الصحابة والقرابة كلهم     ذاك المؤيد قبل كل مؤيد
قالوا: فمن صديق أحمد؟ قلت: من     تصديقه بين الورى لم يجحد
قالوا: فمن تالي أبي بكر الرضا؟     قلت: الإمارة في الإمام الأزهد
فاروق أحمد والمهذب بعده     نصر الشريعة باللسان وباليد
قالوا: فثالثهم؟ فقلت مسارعا     من بايع المختار عنه باليد
صهر النبي على ابنتيه ومن حوى     فضلين فضل تلاوة وتهجد
أعني ابن عفان الشهيد ومن دعي     في الناس ذا النورين صهر محمد
قالوا: فرابعهم؟ فقلت: مبادرا     من حاز دونهم أخوة أحمد



[ ص: 155 ]

زوج البتول وخير من وطئ الحصى     بعد الثلاثة والكريم المحتد
أعني أبا الحسن الإمام ومن له     بين الأنام فضائل لم تجحد
ولعم سيدنا النبي مناقب     لو عددت لم تنحصر بتعدد
أعني أبا الفضل الذي استسقى به     عمر أوان الجدب بين الشهد
ذاك الهمام أبو الخلائف كلهم     نسقا إلى المستظهر بن المقتدي
صلى الإله عليه ما هبت صبا     وعلى بنيه الراكعين السجد
وأدام دولتهم علينا سرمدا     ما حن في الأسحار كل مغرد
قالوا: أبان الكلوذاني الهدى     قلت: الذي فوق السماء مؤيدي

وله [أيضا]:


ومذ كنت من أصحاب أحمد لم أزل     أناضل عن أعراضهم وأحامي
وما صدني عن نصرة الحق مطمع     ولا كنت زنديقا حليف خصام
ولا خير في دنيا تنال بذلة     ولا في حياة أولعت بسقام
ومن جانب الأطماع عز وإنما     مذلته تطلابه لحطام

توفي أبو الخطاب ليلة الخميس الرابع والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة ، وصلي عليه بجامع القصر ، وكان المتقدم في الصلاة عليه أبو الحسن بن فاعوس ، ثم حمل إلى جامع المنصور فصلي عليه ، ثم [دفن] إلى جانب أبي محمد التميمي في دكة أحمد بن حنبل .

[ ص: 156 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية