الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان دواء الصبر وما يستعان به عليه

وأما النوع الثاني فهو ضروري أشد ضرورة أشد من الأول ، وهو اشتغاله بالمطعم والملبس وأسباب المعاش ، فإن تهيئة ذلك أيضا تحوج إلى شغل إن تولاه بنفسه وإن تولاه غيره فلا يخلو عن شغل قلب بمن يتولاه ولكن بعد قطع العلائق كلها يسلم له أكثر الأوقات إن لم تهجم به ملمة أو واقعة وفي تلك الأوقات يصفو القلب ويتيسر له الفكر وينكشف فيه من أسرار الله تعالى في ملكوت السموات والأرض ما لا يقدر على عشر عشيره في زمان طويل لو كان مشغول القلب بالعلائق والانتهاء إلى هذا هو أقصى المقامات التي يمكن أن تنال بالاكتساب والجهد فأما مقادير ما ينكشف مبالغ ، ما يرد من لطف الله تعالى في الأحوال والأعمال . ، فذلك يجري مجرى الصيد ، وهو بحسب الرزق فقد يقل الجهد ويجل الصيد وقد يطول الجهد ويقل الحظ والمعول وراء هذا الاجتهاد على جذبة من جذبات الرحمن فإنها توازي أعمال الثقلين وليس ذلك باختيار العبد : نعم اختيار العبد في أن يتعرض لتلك الجذبة بأن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا فإن المجذوب إلى أسفل سافلين لا ينجذب إلى أعلى عليين ، وكل مهموم بالدنيا فهو منجذب إليها فقطع العلائق الجاذبة هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها وذلك لأن تلك النفحات والجذبات لها أسباب سماوية إذ قال الله تعالى : وفي السماء رزقكم وما توعدون وهذا من أعلى أنواع الرزق والأمور السماوية غائبة عنا ، فلا ندري متى ييسر الله تعالى أسباب الرزق فما علينا إلا تفريغ المحل والانتظار لنزول الرحمة وبلوغ الكتاب أجله كالذي يصلح الأرض وينقيها من الحشيش ويبث البذر فيها وكل ذلك لا ينفعه إلا بمطر ، ولا يدري متى يقدر الله أسباب المطر إلا أنه يثق بفضل الله تعالى ورحمته أنه لا يخلي سنة عن مطر فكذلك فلما تجلو سنة وشهر ويوم عن جذبة من الجذبات ونفحة من النفحات فينبغي أن يكون العبد قد طهر القلب عن حشيش الشهوات ، وبذر فيه بذر الإرادة والإخلاص ، وعرضه لمهاب رياح الرحمة .

وكما يقوى انتظار الأمطار في أوقات الربيع ، وعند ظهور الغيم ، فيقوى انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة ، وعند اجتماع الهمم وتساعد القلوب كما في يوم عرفة ، ويوم الجمعة ، وأيام رمضان فإن الهمم والأنفاس أسباب بحكم تقدير الله تعالى لاستدرار رحمته حتى تستدر بها : الأمطار في أوقات الاستسقاء وهي لاستدراك أمطار المكاشفات ولطائف المعارف من خزائن الملكوت أشد مناسبة منها لاستدرار قطرات الماء واستجرار الغيوم من أقطار الجبال والبحار ، بل الأحوال والمكاشفات حاضرة معك في قلبك ، وإنما أنت مشغول عنها بعلائقك وشهواتك ، فصار ذلك حجابا بينك وبينها ، فلا تحتاج إلا إلى أن تنكسر الشهوة ويرفع الحجاب فتشرق أنوار المعارف من باطن القلب وإظهار ماء الأرض بحفر القنى أسهل وأقرب من الاسترسال إليها من مكان بعيد منخفض عنها ولكونه حاضرا في القلب ، ومنسيا بالشغل عنه سمى الله تعالى جميع معارف الإيمان تذكرا فقال تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقال تعالى : وليتذكر أولو الألباب وقال تعالى : ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر .

فهذا هو علاج الصبر عن الوساوس والشواغل وهو آخر درجات الصبر .

التالي السابق


(وأما النوع الثاني فهو ضروري أشد ضرورة من الأول، وهو اشتغاله بالمطعم والملبس وأسباب المعاش، فإن تهيئة ذلك أيضا يحتاج إلى شغل إن تولاه بنفسه) يشغله عما هو بصدده، (وإن تولاه غيره فلا يخلو عن شغل قلب بمن يتولاه) في بعض الأحوال والأحيان ضرورة، (ولكن بعد قطع العلائق كلها يسلم له أكثر الأوقات إن لم تهجم به ملمة وواقعة) من ملمات الدهر ووقائعه (وفي تلك الأوقات يصفو القلب) عن الكدر (ويتيسر الفكر) ، فيتوجه على قلبه بفكره وهو ذاكر ويراقب عليه، (وينكشف فيه من أسرار الله تعالى في ملكوت السموات والأرض ما لا يقدر على عشر عشيره في زمان طويل لو كان مشغول القلب بالعلائق) ، وذلك الانكشاف لا حد له فيقف عليه (والانتهاء إلى هذا) المقام (هو أقصى المقامات التي يمكن أن تنال [ ص: 37 ] بالاكتساب والجهد) بقدر الطاقة البشرية .

(فأما مقادير ما ينكشف، ومبالغ ما يراه من لطف الله في الأعمال والأحوال، فذلك يجري مجرى الصيد، وهو بحسب الرزق) المقسوم (فقد يقل الجهد ويجل الصيد) أي: يعظم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، (وقد يطول الجهد ويقل الحظ) فلا ينال مقدار جهده، (والمعول وراء هذا الاجتهاد على جذبة من جذبات الرحمن فإنها توازي أعمال الثقلين) ، وعلى هذا بناء سلوك الشيخ أبي علي الفارمدي، قدس سره، وهو شيخ المصنف، فالجذب عنده مقدم على السلوك، وإليه ذهب بعض الشيوخ في الطريقة العلية النقشبندية، ومن يتيسر له هذا الحال أولا يأمرونه بمراقبة الجلالة، ثم بذكر النفي والإثبات. وذهب بعضهم إلى أن السلوك مقدم على الجذب، وأن الجذب نتيجة السلوك، فمن قال بذلك يأمر المريد أولا بذكر النفي والإثبات، ثم بمراقبة الجلالة .

(وليس ذلك باختيار العبد) أي: حصول الجذبة الإلهية لكونه من واردات الحق (نعم اختيار العبد في أن يتعرض لتلك الجذبة بأن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا) ، فيتخلى عنها، فيكون حربا بورود الجذبة الإلهية إليه، (فإن المجذوب إلى أسفل السافلين لا ينجذب إلى أعلى عليين، وكل منهوم على الدنيا) حريص على تحصيلها، (فهو منجذب إليها) لا يلوي على غيرها، (فقطع العلائق الجاذبة هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها) ، رواه الطبراني في الكبير، وابن النجار من حديث محمد بن سلمة، بلفظ: "فتعرضوا له لعله أن تصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعده أبدا"، وقد تقدم في الجمعة، والمراد بالنفحات هنا التجليات المقربات، والتعرض لها بتطهير القلب وتزكيته من الأكدار والأخلاق الذميمة، والطلب منه في كل وقت، فإنه لا يدري في وقت يكون فتح خزائن المنى .

(وذلك لأن تلك النفحات والجذبات لها أسباب سماوية إذ قال تعالى: وفي السماء رزقكم وما توعدون ) والرزق رزقان: ظاهر وهي الأقوات والأطعمة، وذلك الظواهر وهي الأبدان، وباطن وهي المعارف والمكاشفات، وذلك القلوب والأسرار، (وهذا من أعلى أنواع الرزق) وأشرفها، فإن ثمرته حياة الأبد، وثمرة الرزق الظاهر قوة الجسد إلى مدة قريبة الأمد، والله تعالى هو المتولي بخلق الرزقين، والمتفضل بالإيصال إلى كلا الفريقين، (والأمور السماوية غائبة عنا، فلا ندري متى ييسر الله تعالى أسباب الرزق) المعنوي (فما علينا إلا تفريغ المحل) عن المشغلات (والانتظار لنزول الرحمة) فيه (وبلوغ الكتاب أجله) أي: منتهاه الذي قدر له، (كالذي يصلح الأرض وينقيها من الحشيش ويبث فيها البذور وكل ذلك لا ينفعه) ، وفي نسخة: لا ينفعها (إلا بمطر، ولا يدري متى يقدر الله أسباب المطر إلا أنه يثق بفضل الله تعالى ورحمته أن لا يخلي سنة عن مطر) كما جرت به سنته، (فكذلك قلما يخلو سنة وشهر ويوم عن جذبة من الجذبات) الإلهية، (ونفحة من النفحات) الرحمانية .

(فينبغي أن يكون العبد قد طهر القلب عن حشيش الشهوات، وبذر فيها بذر الإرادة والإخلاص، وعرضه لمهاب رياح الرحمة، وكما يقوى انتظار الأمطار في أوقات الربيع، وعند ظهور الغيث، فيقوى انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة، وعند اجتماع الهم وتساعد القلوب كما في يوم عرفة، ويوم الجمعة، وأيام رمضان) ، فإن هذه أيام شريفة، وأوقات منيفة، تجتمع فيها الهموم وتتوجه القلوب بحضورها إلى الله تعالى، فانتظار النفحات الإلهية يكون قويا (فإن الهمم والأنفاس أسباب بحكم تقدير الله لاستدرار) أخلاق (رحمته) وفيوضاته (حتى) إنه (تستدر بها) أي: بالهمم والأنفاس (الأمطار في أوقات الاستسقاء) عند حصول الجذب، (وهي لاستدرار أمطار المكاشفات) الإلهية (ولطائف المعارف) السبحانية (من خزائن الملكوت) الغيبية (أشد مناسبة [ ص: 38 ] منها لاستدرار قطرات الماء) عن السماء (واستجرار الغيوم من أقطار البحار والجبال، بل الأحوال والمكاشفات حاضرة معك في قلبك، وإنما أنت مشغول عنها بعلائقك وشهواتك، فصار ذلك حجابا بينك وبينها، فلا تحتاج) إلى شيء من الخارج (إلا إلى أن تنكسر الشهوة) والشبق، (ويرفع الحجاب فتشرق أنوار المعارف) المتنوعة (من باطن القلب) مما يلي عالم الملكوت، (وإظهار ماء الأرض بحفر القنى أسهل وأقرب من استنزال الماء إليها من مكان بعيد منخفض عنها) وأولى بوصف الدوام والثبات لحصول الإمدادات التي لا تنقطع إذ المستنزل من المكان الآخر قد ينقطع ولا يثبت، (ولكونه حاضرا في القلب، ومنسيا بالشغل عنه سمى الله تعالى جميع معارف الإيمان) ذكرا (وتذكرا) وتذكرة وذكرى (فقال تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) والمراد به القرآن لكونه يذكر باللسان والقلب (وقال تعالى: وليتذكر أولو الألباب ) أي: ليتعظوا، (وقال تعالى: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) ، ولا يكون الذكر إلا بعد النسيان، وقال تعالى: إن في ذلك لعبرة ، وقال تعالى: إن في ذلك لذكرى .

(فهذا هو علاج الصبر عن الوساوس والشواغل) الجاذبة من طريق الحق، (وهو آخر درجات الصبر) ، وأشدها على السالكين، وفيها تزل أقدام الأقوياء، فضلا عن الضعفاء .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث