الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 189 ] 34 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله عليه السلام فيما كان من بعثه محمد بن مسلمة لقتله كعب بن الأشرف ، بما يدفع التضاد عن ما توهم بعض الناس أنه قد ضاد ما فيه

200 - حدثنا يونس ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن جابر قال : قال رسول الله عليه السلام { من لكعب فإنه قد آذى الله ورسوله ، فقام محمد بن مسلمة فقال : يا رسول الله ، أتحب أن أقتله ؟ قال : نعم ، قال : فأذن لي أن أقول شيئا ، [ قال : قل ] . قال : [ ص: 190 ] فأتاه فقال : إن هذا الرجل قد سألنا الصدقة ، وقد عنانا ، و [ إني قد أتيتك أستسلفك قال : وأيضا والله لتملنه . قال : إنا ] قد اتبعناه ، ونحن نكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره . قال : أي شيء ترهنونني ؟ قالوا : وما تريد منا ؟ قال : ترهنونني نساءكم . قالوا : أنت أجمل العرب ، كيف نرهنك نساءنا ؟ فأبوا فأبى . قالوا : يكون ذلك عارا علينا . قال : ترهنونني أولادكم ، قالوا : يا سبحان الله ، يسب ابن أحدنا فيقال : رهنت بوسق أو وسقين ، قالوا : نرهنك اللأمة . قال : تريدون السلاح ، فواعده أن يأتيه فجاءه ليلا فلما أتاه ناداه فخرج إليه ، وهو متطيب ، فلما أن جلس إليه ، وقد كان جاء معه بنفر ثلاثة أو أربعة ، وريح الطيب ينضح منه فذكروا له قال : عندي فلانة ، وهي من أعطر نساء الناس . قال : تأذن لي فأشم . قال : نعم . فوضع يده في رأسه فشمه . قال : أعود ؟ قال : نعم . قال : فلما استمكن من رأسه قال : دونكم ، فضربوه حتى قتلوه } .

حدثنا بحر بن نصر بن سابق الخولاني ، حدثنا ابن وهب ، حدثني سفيان بن عيينة ، عن عمر بن سعيد أخي سفيان الثوري ، عن أبيه ، عن عباية . قال : ذكر قتل كعب بن الأشرف عند معاوية فقال ابن يامين : كان قتله غدرا . فقال محمد بن مسلمة : يا معاوية ، أيغدر [ ص: 191 ] عندك رسول الله عليه السلام ولا تنكر ، والله لا يظلني وإياك سقف بيت أبدا ، ولا يحلو لي دم هذا إلا قتلته ، فتوهم متوهم أن فيما روينا مما كان من محمد بن مسلمة وأصحابه ، قد دخلوا به في خلاف ما روي عن رسول الله عليه السلام .

201 - مما قد حدثناه علي بن معبد بن نوح ، حدثنا يونس بن محمد المؤدب ، حدثنا حماد ، وهو ابن سلمة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن رفاعة بن شداد قال : كنت أقوم على رأس المختار ، فلما تبينت لي كذابته ، هممت والله أن أسل سيفي فأضرب به عنقه ، حتى ذكرت حديثا حدثنيه عمرو بن الحمق قال : سمعت النبي عليه السلام يقول : { من آمن رجلا على نفسه فقتله ، أعطي لواء غدر يوم القيامة } .

[ ص: 192 ]

202 - ومما قد حدثنا أيوب بن نصر العصفري ، قال : حدثنا أحمد ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا حماد بن سلمة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن رفاعة بن شداد قال : كنت أقوم على رأس المختار ، فلما سمعت كذابته هممت أن أخترط سيفي فأضرب به عنقه ، حتى ذكرت حديثا حدثنيه عمرو بن الحمق : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من أمن رجلا على نفسه فقتله أعطي لواء غدر يوم القيامة } .

فاختلف علي وأيوب في الحرف الذي ذكرنا اختلافهما فيه ، وهو آمن وأمن ، وقال أيوب : أمن ، وهو الصحيح .

203 - ومما قد حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا محمد بن الصلت ، حدثني عيسى بن يونس ، عن نصير بن أبي نصير ، عن السدي ، عن رفاعة الفتياني ، قال أبو جعفر : { وفتيان من بجيلة . قال : دخلت على المختار فإذا وسادتان مطروحتان فقال : يا جارية ، هلمي لفلان وسادة ، فقلت : ما بال هاتين . فقال : قام عن إحداهما جبريل ، وعن الأخرى ميكائيل } ، وما منعني أن أقتله إلا حديث حدثني عمرو بن الحمق قلت : وما حدثك ؟ قال : سمعت النبي عليه السلام يقول : { من ائتمنه رجل على دمه فقتله فأنا منه بريء ، وإن كان المقتول كافرا } .

[ ص: 193 ] وقد حقق ما في هذا الحديث من رواية ابن أبي داود : من ائتمنه رجل ، صحة ما روى أيوب في الحديث الأول مما خالفنا فيه علي .

وكان ما توهمه هذا المتوهم جهلا بلغة العرب وسعتها ، إذ كان قول رسول الله عليه السلام في حديث عمرو بن الحمق هو على من كان آمنا ، إما بالإسلام ، وإما بذمة ، وإما بأمان بإعطاء من المسلمين إياه ذلك الأمان حتى صار به آمنا على نفسه ، وحتى صار به دمه في حاله تلك حراما على أهل الملة وأهل الذمة جميعا .

فكان معنى قوله فيه : من ائتمن ، أي : ممن هذه صفته رجلا على نفسه فقتله ، أعطي لواء غدر يوم القيامة .

وكان ما في حديث جابر في قصة محمد بن مسلمة وأصحابه في كعب بن الأشرف ، وفي ائتمانه محمد بن مسلمة على نفسه إنما بأمن كافر لا يحل أمانه لملي ولا لذمي ، ولا يكون لملي ولا لذمي إعطاؤه ذلك ، وذلك لما كان عليه من الأذى لله تعالى ولرسوله ، ولو أن رجلا من أهل الملة أمنه لما أمن بذلك ، ولا حرم به دمه ، فدل ذلك أن ما كان من ائتمان كعب محمد بن مسلمة على نفسه كان كلا ائتمان ، وأنه كان بعده في حل دمه ، كهو كان في ذلك من قبل [ ص: 194 ] ما كان منه من ائتمانه محمد بن مسلمة على ما ائتمنه عليه من نفسه ، فعادت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه إلى انتفاء التضاد عنها ، وانصرف كل صنف منها إلى خلاف الصنف الذي انصرف إليه غيره منها .

التالي السابق


الخدمات العلمية