الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 85 ] 11 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله عليه السلام من قوله : إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم

88 - حدثنا أبو أمية ، ومحمد بن علي بن داود قالا : حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عن أبي أمامة ، والمقدام بن معدي كرب ، وكثير بن مرة ، وعمرو بن الأسود ، أن رسول الله عليه السلام قال : { إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم } .

89 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا إبراهيم بن العلاء بن زبريق الحمصي ، ومحمد بن عبد العزيز الواسطي ، قالا : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، [ ص: 86 ] عن جبير بن نفير ، وكثير بن مرة ، وعمرو بن الأسود ، والمقدام ، وأبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

90 - حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا يزيد بن عبد ربه الحمصي ، حدثنا بقية بن الوليد ، عن إسماعيل بن عياش ، عن ضمضم ، عن شريح بن عبيد ، عن جبير بن نفير ، وعمرو بن الأسود ، وأبي أمامة قالا : إن رسول الله عليه السلام قال : { إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم } .

قال أبو جعفر : معنى ذلك عندنا أن الله قد أمر عباده بالستر ، وأن لا يكشفوا عنهم ستره الذي سترهم به فيما يصيبونه مما قد نهاهم عنه لمن سواهم من الناس ، وروي عنه في ذلك .

91 - ما قد حدثنا نصر بن مرزوق أبو الفتح ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا أنس بن عياض ، عن يحيى بن سعيد ، حدثني عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، { أن رسول الله عليه السلام قام بعد أن رجم الأسلمي فقال : اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها ، فمن ألم فليستتر بستر الله تعالى ، وليتب إلى الله ، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله } .

[ ص: 87 ]

92 - وما قد حدثنا يونس ، أخبرني أنس بن عياض الليثي ، عن يحيى ، حدثني عبد الله بن دينار مولى ابن عمر : أنه بلغه أن رسول الله عليه السلام ... ثم ذكر هذا الحديث حرفا حرفا .

93 - وما قد حدثنا أحمد بن داود ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا أبان بن يزيد ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، حدثني أبو سلمة ، عن يزيد بن نعيم بن هزال ، وكان هزال استرجم لماعز قال : { كان في أهله جارية ترعى غنما ، وإن ماعزا وقع عليها ، وإن هزالا أخذه فمكر به [ ص: 88 ] وخدعه فقال : انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بالذي صنعت عسى أن ينزل فيك قرآن ، فأمر به نبي الله عليه السلام أن يرجم فرجم ، فلما عضه مس الحجارة انطلق يسعى ، فاستقبله رجل بلحي بعير ، فضربه فصرعه . فقال النبي عليه السلام : يا هزال ، لو كنت سترته بثوبك كان خيرا لك } .

قال أبو جعفر : وكان الأمير إذا تتبع ما قد أمر الله بترك تتبعه امتثل الناس ذلك منه ، وكان في ذلك فسادهم .

فإن قال قائل : فكيف يكون ما ذكرت كما ذكرت ، وقد { أمر النبي عليه السلام أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الرجل الذي ذكر له عنها أنها زنت ، فيسألها عن ذلك ، وأن يرجمها إن اعترفت عنده بذلك } . وذكر في ذلك :

[ ص: 89 ]

94 - ما قد حدثنا يونس ، وعيسى بن إبراهيم الغافقي قالا : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عبيد الله ، عن أبي هريرة ، وزيد بن خالد ، وشبل قالوا : { كنا قعودا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه رجل فقال : أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله ، فقام خصمه ، وكان أفقه منه فقال : صدق اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي قال : قل . قال : إن ابني كان عسيفا على هذا ، فزنى بامرأته ، فافتديت منه بمائة شاة وخادم ، ثم إني سألت رجالا من أهل العلم ، فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وعلى امرأة هذا الرجم . فقال : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب [ الله ] ، المائة شاة والخادم رد عليك ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ، واغد يا أنيس ، إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ، فغدا عليها فاعترفت فرجمها } .

95 - وما قد حدثنا المزني ، حدثنا الشافعي ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أبي هريرة ، وزيد بن خالد أنهما أخبراه : { أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما : يا رسول الله ، اقض بيننا بكتاب الله ، فقال الآخر : وهو أفقههما : أجل ، يا رسول الله ، اقض بيننا بكتاب الله ، وائذن لي في أن أتكلم ، فقال : تكلم ، فقال : إن ابني كان [ ص: 90 ] عسيفا على هذا ، فزنى بامرأته ، فأخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية ، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وإنما الرجم على امرأته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ، أما غنمك وجاريتك فرد عليك ، وجلد ابنه مائة ، وغربه عاما ، وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر ، فإن اعترفت رجمها ، فاعترفت فرجمها } .

قال مالك : والعسيف الأجير .

96 - وما قد حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، ومالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله ، عن أبي هريرة وزيد قالا : كنا جلوسا عند النبي عليه السلام ثم ذكر مثله .

قيل له : قد كان الشافعي يقول في ذلك ما قد حكاه لنا المزني عنه في " مختصره " قوله : إنه قال : وليس للإمام إذا رمي رجل بالزنا أن يبعث إليه فيسأله عن ذلك ؛ لأن الله تعالى يقول : ولا تجسسوا فإن شبه على أحد بأن النبي عليه السلام بعث أنيسا إلى امرأة رجل فقال : إن [ ص: 91 ] اعترفت فارجمها ، فتلك امرأة ذكر أبو الزاني بها أنها زنت ، فكان يلزمه أن يسأل ، فإن اعترفت حدت ، وسقط الحد عمن قذفها ، وإن أنكرت حد قاذفها .

قال أبو جعفر : وأنا أقول جوابا عن ذلك لقائله هذا الحديث لم يستوعب لنا فيه ما كان مما جرى من الخصمين ، ومن ابن أحدهما عند النبي عليه السلام ، وذلك أن فيه أن أحدهما قال : إن ابني كان عسيفا على هذا ، يعني الآخر منهما ، فزنى بامرأته فأخبرت أن على ابني الرجم ، فافتديت منه بمائة شاة وخادم ، ونحن نحيط علما أنه لم يكن خاف على ابنه من اعترافه عليه ، ونعلم أنه إنما كان خاف عليه من اعترافه بذلك على نفسه ؛ لأن أحدا لا يؤخذ باعتراف غيره عليه .

ولما عقلنا ذلك ، عقلنا أن ابن هذا الخصم قد كان صادقا فيما ذكره عن نفسه بزناه بامرأة خصم أبيه ، فيكون الذي عليه في ذلك حد الزنا لا ما سواه ، أو يكون كاذبا في ذلك فيكون الذي عليه فيه حد القذف لامرأة خصم أبيه لما رماها من الزنا ، لا ما سوى ذلك .

فلما وقف النبي عليه السلام على وجوب حد عليه من ذينك الحدين لا يدري أيهما هو دعته الضرورة في ذلك إلى استعلام ما تقوله المرأة المرمية بالزنا في ذلك ، من تصديق راميها به ، فيكون الذي عليها فيه حد الزنا لا ما سواه ، أو تكذبه في ذلك فيكون الذي عليه حد القذف لها فيما رماها به من الزنا لا ما سواه .

فهذا عندنا والله أعلم هو المعنى الذي أمر النبي عليه السلام أنيسا أن يغدو إلى تلك المرأة فيه ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية