الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل في معرفة الملائكة

قال الحليمي رحمه الله تعالى : " من الناس من ذهب إلى أن الأحياء العقلاء الناطقين فريقان : إنس وجن ، وكل واحد من الفريقين صنفان أخيار وأشرار ، فأخيار الإنس يدعون أبرارا ، ثم ينقسمون إلى رسل وغير رسل ، وأشرارهم يدعون فجارا ثم ينقسمون إلى كفار ، وغير كفار .

وأخيار الجن يسمون ملائكة ، ثم ينقسمون إلى رسل وغير رسل ، وأشرارهم يدعون شياطين ، ثم قد يستعار هذا الاسم لفجار الإنس تشبيها لهم بفجار الجن .

وقد يحتمل هذا التقسيم وجها آخر وهو : أن الجن منهم سكان الأرض ، ومنهم سكان السماء فالذين هم سكان السماء يدعون الملأ الأعلى ، ويدعون الملائكة ، والذين هم سكان الأرض هم الجن بالإطلاق ، وينقسمون إلى أخيار وفجار ، ومؤمنين ، وكافرين ، وإنما قيل للملأ الأعلى ملائكة ؛ لأنهم مستصلحون للرسالة التي تسمى ألوكا .

وأكثر الناس على أن الملك أصله مالك ، وأن ملاك مقلوب ، وأنه قيل : الواحد الملائكة مالك ، بمعنى أنه موضع للرسالة بكونه مصطفى مختارا للسماء أن يسكنها إذ كانت الرسالة منها تأتي سكان الأرض .

ومن ذهب إلى هذا قال : أخبر الله عز وجل أنه أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس فلو لم يكن من الملائكة لم يكن لاستثنائه منهم معنى ، ثم قال في آية أخرى : ( إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) فأبان أن [ ص: 298 ] المأمورين بالسجود كانوا طبقة واحدة إلا أن إبليس لما عصى ، ولعن صار من الجن الذين يسكنون الأرض .

وأيضا فإن الله عز وجل أخبر عن الكفار الذين قالوا : إن الملائكة بنات الله فقال تعالى : ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ) فدل ذلك على أن الملائكة من الجن ، وأن النسب الذي جعلوه بين الله تعالى وبين الجن قولهم الملائكة بنات الله تعالى عما قالوا علوا كبيرا .

وأيضا فإن الإنس هم الظاهرون والجن هم المجتنون ، والملائكة مجتنون ، وأيضا فإن الله تعالى لما وصف الخلائق قال : ( خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار ) فلو كانت الملائكة صنفا ثالثا لما كان يدع أشراف الخلائق فلا يتمدح بالقدرة على خلقه .

قال : " ومن خالف هذا القول قال إن سكان الأرض ينقسمون إلى إنس وجن ، فأما من خرج عن هذا الحد لم يلحقه اسم الإنس وإن كان مرئيا ، ولا اسم الجن ، وإن كان غير مرئي .

والذي يدل على أن الملائكة غير الجن أن الله عز وجل لما أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أخبر الله عز وجل عن سبب مفارقته الملائكة فقال : ( إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) فلو كان كلهم جنا لاشتركوا [ ص: 299 ] في الامتناع عن السجود ، ولم يكن في أن إبليس كان من الجن ما يحمله على أن لا يسجد ، وفي هذا ما أبان أن الملائكة خير والجن خير وأنهما فريقان شتى ، وإنما دخل إبليس في الأمر الذي خوطبت به الملائكة ؛ لأن الله تعالى قد أذن له في مساكنة الملائكة ومجاورتهم بحسن عبادته ، وشدة اجتهاده فجرى في عدادهم ، فلما أمرت الملائكة بالسجود لآدم دخل في الجملة الملك الأصلي ، والملحق بهم غير أن مفارقته الملائكة في أصل جبلته حملته على مفارقتهم في الطاعة ، فلذلك قال الله عز وجل : ( إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) .

وأما قول الله عز وجل : ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ) فيحتمل أن ذلك تسميتهم الأصنام آلهة ودعواهم أنها بنات الله عز وجل وتقربهم بعبادتها إلى الله عز وجل ، وذلك حين كان شياطين الجن يدخلون أجوافها ويكلمونهم منها ، فكانوا ينسبون ذلك الكلام إلى الله عز وجل ، فقال الله تعالى : ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ) ؛ لأنهم يسمون الأصنام لمكان تكليم الجنة إياهم من أجوافها آلهة ، وادعوا أنها بنات الله فأثبتوا بين الله تعالى ، وبين الجنة نسبا جهلا منهم " .

التالي السابق


الخدمات العلمية