الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر حديث جمع القرآن

[ 169 ] أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد [ ص: 340 ] بن سختويه ، حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا الحسن بن موسى الأشيب ، عن إبراهيم بن سعد الزهري ، عن ابن شهاب (ح) .

وأخبرنا أبو نصر محمد بن محمد بن علي بن مقاتل الهاشمي الفروي ، حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني ، أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، حدثنا ابن شهاب ، عن عبيد بن السباق ، عن زيد بن ثابت قال : " أرسل إلي أبو بكر الصديق رضي الله عنه مقتل أهل اليمامة ، فإذا عمر جالس عنده ، فقال أبو بكر : إن عمر جاءني فقال : إن القتل فقد استحر وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن ، فقلت لعمر : كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر : هو والله خير ، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله لذلك صدري ، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر رضي الله عنه " .

قال زيد قال أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن واجمعه " .

قال زيد : " فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمروني به من جمع القرآن قال : قلت : وكيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : هو والله خير ، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر " . قال : " فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب ، واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة " [ ص: 341 ]

وفي رواية أبي الوليد : " مع خزيمة أو أبي خزيمة الأنصاري : " لم أجدها مع أحد غيره " .

( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) خاتمة سورة براءة .

قال : " وكانت الصحف عند أبي بكر حياته حتى توفاه الله عز وجل ، ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله عز وجل ، ثم عند حفصة بنت عمر أم المؤمنين " .

انتهى حديث الأشيب .

وزاد أبو الوليد في روايته قال : إبراهيم بن سعد : حدثني ابن شهاب ، عن أنس بن مالك ، " أن حذيفة قدم على عثمان بن عفان ، وكان يغازي أهل الشام مع أهل العراق في فتح أرمينية وأذربيجان ، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة ، فقال لعثمان : يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلفت اليهود والنصارى ، فبعث عثمان إلى حفصة أرسلي المصحف - أو قال الصحف [ ص: 342 ] ننسخها في المصاحف - ثم نردها إليك ، فبعثت بها إليه ، فدعا زيد بن ثابت وأمره وأمر عبد الله بن الزبير ، وسعيد بن العاص " .

وقال غير أبي الوليد ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام : وأمرهم أن ينسخوا الصحف في المصاحف - وقال لهم : ما اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم .

فكتبت الصحف في المصاحف ، فبعث إلى كل أفق بمصحف ، وأمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يمحى ، أو يحرق " .

قال ابن شهاب : وأخبرني خارجة بن زيد ، أنه سمع زيد بن ثابت يقول : " فقدت آية من سورة الأحزاب حين نسخت الصحف ، كنا نسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها ، فالتمستها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) فألحقتها به في سورتها في المصحف .

قال ابن شهاب : " فاختلفوا يومئذ في التابوت ، فقال زيد بن ثابت : التابوه ، وقال ابن الزبير : وسعيد بن العاص : التابوت فرفع كلامهم إلى عثمان فقال : اكتبوه التابوت " .

رواه البخاري في الصحيح ، عن موسى بن إسماعيل ، عن إبراهيم بن سعد دون [ ص: 343 ] قول ابن شهاب قال البيهقي رحمه الله : " وتأليف القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم " .

روينا عن زيد بن ثابت أنه قال : " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع .

وإنما أراد - والله تعالى أعلم - تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة ، في سورتها وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم كانت مثبتة في الصدور مكتوبة في الرقاع واللخف ، والعسب ، فجمعت منها في صحف بإشارة أبي بكر ، وعمر وغيرهما من المهاجرين والأنصار ، ثم نسخ ما جمع في الصحف في مصاحف بإشارة عثمان بن عفان على ما رسم المصطفى صلى الله عليه وسلم " .

وروينا عن سويد بن غفلة أنه قال : قال علي بن أبي طالب : " يرحم الله عثمان لو كنت أنا لصنعت في المصاحف ما صنع عثمان " .

وقد ذكرنا في كتاب المدخل ، وفي آخر كتاب دلائل النبوة ما يقوي هذا الإجماع ويدل على صحته والحمد لله على حفظ عباده وتركهم على الواضحة وفقنا لمتابعة السنة ومجانبة البدعة .

التالي السابق


الخدمات العلمية