الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل في أصحاب الكبائر من أهل القبلة إذا وافوا القيامة بلا توبة قدموها

قال أصحابنا رضي الله عنهم أمرهم إلى الله - تعالى جده - فإن شاء عفا عنهم مبتدئا ، وإن شاء شفع فيهم نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وإن شاء أمر بإدخالهم النار فكانوا معذبين مدة ، ثم أمر [ ص: 465 ] بإخراجهم منها إلى الجنة ، إما بشفاعة ، وإما بغير شفاعة ، ولا يخلد في النار إلا الكفار ، واستدلوا بقول الله عز وجل : ( بلى من كسب سيئة ، وأحاطت به خطيئته ) الآية .

وأخبر أن التخليد في النار إنما هو لمن أحاطت به خطيئته ، والمؤمن صاحب الكبيرة ، أو الكبائر لم تحط به خطيئته ؛ لأن رأس الخطايا هو الكفر ، وهو غير موجود منه فصح أنه لا يخلد في النار .

فإن قيل : هذا معارض بقوله عز وجل : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) .

فوعد الجنة من جمع بين أصل الإيمان ، وفروعه ، وصاحب الكبيرة أو الكبائر تارك الصالحات ، فصح أن وعد الجنة ليس له .

قيل له : المتعاطي لها إذا تاب منها ووافى القيامة تائبا تاركا للصالحات غير جامع بين الإيمان وفروعه ، ومع ذلك يدخل الجنة ، وتوبته ما تقوم مقامات ما ترك من الصالحات ؛ لأنه كان عليه أن يكون نازعا ، عن الشر أبدا ، فإذا أقدم عليه وقتا ، ثم نزع عنه وقتا ، كان بذلك للفرض مبعضا وبعض الفرض لا يجوز أن يكون بدلا عن جميعه ، وإذا جاز أن يمن الله تعالى على التائب فيكفر بتوبته خطاياه ، لم لا يجوز أن يمن على المصر فيكفر بإيمانه الذي هو أحسن الحسنات خطاياه ، ويكفر بصلواته وما يأتي به الحسنات ما فرط منه مدة من سيئاته كما قال تعالى : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) .

ذلك ، وإنما افترقا في أن التائب مغفور له من غير تعذيب ، والمصر قد يعذب بذنبه مدة ، ثم يدخل الجنة ؛ لأن الخبر الصادق بذلك ورد ، واستدل أصحابنا بقوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) .

ولا يجوز أن يفرض في خبر الله خلف ، وبذلك وردت السنة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم " . [ ص: 466 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية