الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ 277 ] حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن [ ص: 444 ] يزيد الجوزي ، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي ، حدثنا زيد بن أخزم الطائي ، حدثنا عامر بن مدرك ، حدثنا عتبة بن يقظان ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أحسن من محسن كافر أو مسلم إلا أثابه الله عز وجل " .

قلنا : يا رسول الله ، وما إثابة الله الكافر ؟ قال : " إن كان وصل رحما ، أو تصدق بصدقة ، أو عمل حسنة أثابه الله تعالى ، وإثابته إياه المال ، والولد ، والصحة ، وأشباه ذلك " . قال : قلنا : وما إثابته في الآخرة ؟ قال : " عذاب دون العذاب " ، وقرأ : ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب )
.

قال البيهقي رحمه الله : " وهذا إن ثبت ففيه الحجة ، وإن لم يثبت ؛ لأن في إسناده من لا يحتج به .

وحديث أبي طالب صحيح ، ولا معنى لإنكار الحليمي رحمه الله الحديث ، ولا أدري كيف ذهب عنه صحة ذلك ، فقد روي من أوجه عن عبد الملك بن عمير ، [ ص: 445 ] وروي من وجه آخر صحيح عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه .

وقد أخرجه صاحبا الصحيح وغيرهما من الأئمة في كتبهم الصحاح ، وإنما يصح لمن ذهب المذهب الثاني في خيرات الكافر أن يقول : حديث أبي طالب خاص في التخفيف عن عذابه بما صنع إلى النبي صلى الله عليه وسلم خص به أبو طالب لأجل النبي صلى الله عليه وسلم تطييبا لقلبه ، وثوابا له في نفسه لا لأبي طالب ، فإن حسنات أبي طالب صارت بموته ، على كفره هباء منثورا .

ومثل هذا حديث عروة بن الزبير في إعتاق أبي لهب ثويبة وإرضاعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله في النوم بشر خيبة فقال له : ماذا لقيت ؟ فقال أبو لهب : لم ير بعدكم رخاء غير أني سقيت في هذه مني بعتاقتي ثويبة ، وأشار إلى النقيرة التي بين الإبهام ، والتي تليها .

وهذا أيضا ؛ لأن الإحسان كان مرجعه إلى صاحب النبوة فلم يضيع والله أعلم . وأما المؤمنون الذين يحاسبون فإن أعمالهم توزن وهم فريقان : أحدهما المؤمنون المتقون لكبائر الذنوب فهؤلاء توضع حسناتهم في الكفة النيرة ، وصغائرهم - إن كانت لهم في الكفة الأخرى ، فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنا ، وتثقل الكفة النيرة ، وترتفع الكفة الأخرى ارتفاع الفارغ الخالي " ، فيؤمر بهم إلى الجنة ، ويثاب كل واحد منهم على قدر حسناته وطاعاته ، كما تلونا في الآيات التي ذكرناها في الموازين [ ص: 446 ]

والآخر : المؤمنون المخطئون ، وهم الذين يوافون القيامة بالكبائر ، والفواحش غير أنهم لم يشركوا بالله شيئا ، فحسناتهم توضع في الكفة النيرة ، وآثامهم وسيئاتهم في الكفة المظلمة ، فيكون يومئذ لكبائرهم التي جاؤوا بها ثقل ، ولحسناتهم ثقل إلا أن الحسنات تكون بكل حال أثقل ؛ لأن معها أصل الإيمان ، وليس مع السيئات كفر ، ويستحيل وجود الإيمان والكفر معا لشخص واحد ، ولأن الحسنات لم يرد بها إلا وجه الله تعالى ، والسيئات لم يقصد بها مخالفة الله وعناده بل كان تعاطيها لداعية الهوى ، وعلى خوف من الله عز وجل ، وإشفاق من غضبه ، فاستحال أن توازي السيئات - وإن كثرت - حسنات المؤمن ، ولكنها عند الوزن لا تخلو من تثقيل ويقع بها الميزان ، حتى يكون ثقلها كبعض ثقل الحسنات ، فيجري أمر هؤلاء على ما ورد به الكتاب جملة ، ودلت سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم على تفصيلها ، وهو قوله عز وجل : ( إن الله يغفر الذنوب جميعا ) .

وقوله : ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) . فيغفر لمن يشاء بفضله ، ويشفع فيمن شاء منهم بإذنه ، ويعذب من شاء منهم بمقدار ذنبه ، ثم يخرجه من النار إلى الجنة برحمته كما ورد به خبر الصادق .

وقد دل الكتاب على وزن أعمال المخلطين من المؤمنين ، وهو قوله عز وجل : ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ، وكفى بنا حاسبين ) وإنما أراد - والله أعلم - أنه لا يترك له حسنة إلا توزن ، وهذا بالمؤمن المخلط أليق ؛ لأنه لو تركت له حسنة ، لم توزن ، لزاد ذلك في ثقل سيئاته ، فأوجب ذلك زيادة في عذابه .

فأما أن الوزن كيف يكون ؟ ففيه وجهان :

أحدهما : أن صحف الحسنات توضع في الكفة النيرة ، وصحف السيئات في الكفة المظلمة ؛ لأن الأعمال لا تنسخ في صحيفة واحدة ، ولا كاتبها يكون واحدا ، لكن [ ص: 447 ] الملك الذي يكون عن اليمين ، يكتب الحسنات ، والملك الذي يكون على الشمال يكتب السيئات ، فيتفرد كل واحد منهما بما ينسخ ، فإذا جاء وقت الوزن ، وضعت الصحف في الموازين ، فيثقل الله عز وجل ما يحق تثقيله ، ويخفف ما يحق تخفيفه .

والوجه الآخر : يجوز أن يحدث الله تبارك وتعالى أجساما مقدرة بعدد الحسنات والسيئات ، ويميز إحداهما عن الأخرى بصفات تعرف بها فتوزن ، كما توزن الأجسام بعضها ببعض في الدنيا ، والله أعلم ، ويعتبر في وزن الأعمال مواقعها من رضا الله عز وجل وسخطه .

وذهب أهل التفسير إلى إثبات هذا الميزان بكفتيه ، وجاء في الأخبار ما دل عليه " .

وقد روى الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس أنه قال : " الميزان له لسان وكفتان ، يوزن فيه الحسنات ، والسيئات ، فيؤتى بالحسنات في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان فتثقل على السيئات ، قال : " فيؤخذ فيوضع في الجنة عند منازله ثم يقال للمؤمن : الحق بعملك . قال : فينطلق إلى الجنة فيعرف منازله بعمله ، قال : " ويؤتى بالسيئات في أقبح صورة ، فتوضع في كفة الميزان فتخفف ، والباطل خفيف - فيطرح في جهنم إلى منازله منها ويقال له : الحق بعملك إلى النار ، قال : " فيأتي النار فيعرف منازله بعمله ، وما أعد الله فيها من ألوان العذاب ، قال ابن عباس : فلهم أعرف بمنازلهم في الجنة والنار بعملهم من القوم فينصرفون يوم الجمع راجعين إلى منازلهم .

[ 278 ] أخبرناه أبو عبد الرحمن الدهان ، أخبرنا الحسين بن محمد بن هارون ، حدثنا أحمد بن محمد بن نصر ، حدثنا يوسف بن بلال ، حدثنا محمد بن مروان ، عن الكلبي ، فذكره . [ ص: 448 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية