الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 112 ]

وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا .

[60] وإذ قلنا لك أي : واذكر وقت إيحائنا إليك .

إن ربك أحاط بالناس علم بمكرهم بك ، فهو حافظك منهم ، فأمض أمرك ، ولا تخف أحدا .

وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ليلة الإسراء إلا فتنة أي : اختبارا للناس ، وتقدم الكلام على ذلك في أول السورة عند ذكر قصة المعراج . قرأ الكسائي ، وخلف : (الرؤيا ) بالإمالة في الوقف فقط .

والشجرة الملعونة أي : الملعون آكلها ، وهي المذكورة .

في القرآن وهي الزقوم ، وقوله : (والشجرة ) عطف على قوله : (الرؤيا ) ؛ أي : جعلنا الرؤيا والشجرة فتنة ، فكانت الفتنة في الرؤيا ما تقدم في قصة المعراج من ارتداد كثير ممن أسلم ، والفتنة في الشجرة الملعونة أنه لما نزل أمرها في سورة الصافات ، قال أبو جهل وغيره : هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة ، ثم يزعم أنها تنبت الشجر ، وقد علمتم أن النار تحرق الشجر ، وما نعرف الزقوم إلا التمر بالزبد ، ثم أمر أبو جهل جارية له فأحضرت تمرا وزبدا ، وقال لأصحابه : تزقموا ، فافتتن أيضا بهذه المقالة بعض الضعفاء ، فأخبر الله نبيه أنما جعل الإسراء وذكر شجرة الزقوم [ ص: 113 ] فتنة واختبارا ؛ ليكفر من سبق عليه الكفر ، ويصدق من سبق عليه الإيمان ، كما روي عن أبي بكر رضي الله عنه ما سبق ذكره في قصة المعراج ، قال الكواشي رحمه الله : لو نظر ، يعني : أبا جهل ، النظر الصحيح ، لما استبعد ذلك ؛ لأنه يمكن وجود جسم لطيف في النار لا يحترق كالسمندر وبر دويبة تكون ببلاد الترك لا تؤثر فيه النار ، وتتخذ منه مناديل ، فإذا اتسخت المنديل ، ألقيت في النار ، فيذهب الوسخ ويبقى المنديل ، وأعجب من ذلك أكل النعام النار والحديد المحمى ، انتهى .

ونخوفهم بأنواع التخويف فما يزيدهم تخويفنا .

إلا طغيانا كبيرا تمردا وعتوا عظيما .

* * *

التالي السابق


الخدمات العلمية