الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومن الحوادث غزوة محمد بن مروان الصائفة حين خرجت الروم .

[ولاية الحجاج الكوفة وخطبته في أهلها] .

وفيها: ولى عبد الملك يحيى بن الحكم بن أبي العاص المدينة ، وولى الحجاج بن يوسف العراق دون خراسان وسجستان . فقدم الحجاج الكوفة بعد وفاة بشر بن مروان في اثني عشر راكبا [على النجائب] حتى دخل الكوفة ، فجأة ، وقد كان بشر بعث المهلب إلى الحرورية فبدأ الحجاج بالمسجد فدخله ، ثم صعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء ، فلما اجتمع الناس هموا به [فكشف عن وجهه] وقال:


أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني



قال مؤلف الكتاب: قد رويت لنا هذه الحالة مختلفة ، ونحن نذكرها بطرقها .

أخبرنا ابن المبارك الأنماطي ، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار الصيرفي ، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسن النصيبي ، قال: أخبرنا إسماعيل بن سعيد بن سويد .

وأنبأنا علي بن عبيد الله ، عن عبد الصمد بن المأمون ، عن إسماعيل بن سعيد ، [ ص: 150 ] قال: أخبرنا أبو بكر الأنباري ، قال: حدثني أبي ، قال: حدثنا أحمد بن عبيد الله ، قال: حدثنا محمد بن يزيد بن ريان الكلبي ، عن عبد الملك بن عمير ، قال: لما اشتدت شوكة أهل العراق وطال وثوبهم بالولاة يحصبونهم ويقصرون بهم أمر عبد الملك ، فنادى: الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس فخطبهم ثم قال: أيها الناس ، إن العراق قد علا لهيبها ، وسطع وميضها ، وعظم الخطب فيها ، فجمرها ذكي وشهابها وري ، فهل من رجل ينتدب لهم ذي سلاح عتيد ، وقلب شديد ، فيخمد نيرانها ، ويبيد شبانها ، فسكت الناس ، فوثب الحجاج بن يوسف ، وقال: أنا يا أمير المؤمنين ، قال: ومن أنت؟ قال: الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعظيم القريتين ، قال له: اجلس فلست هناك ، ثم أطرق عبد الملك مليا ، ثم رفع رأسه ، وقال: من للعراق؟ فسكت الناس ، فوثب الحجاج وقال: أنا يا أمير المؤمنين ، قال: ومن أين أنت؟ قال: من قوم رغبت في مناكحتهم قريش ولم ييأسوا منهم ، وإعادة الكلام مما ينسب صاحبه إلى العي ، ولولا ذلك لأعدت الكلام الأول ، فقال له: اجلس فلست هناك . ثم أطرق عبد الملك مليا ورفع رأسه وقال: من لأهل العراق؟ فسكت الناس ، فقال: ما لي أرى الليوث قد أطرقت ، ولا أرى أسدا يزأر نحو فريسته ، فسكت الناس ، فوثب الحجاج فقال: أنا للعراق ، يا أمير المؤمنين ، قال: وما الذي أعددت لأهل العراق؟

قال: ألبس لهم جلد النمر ، ثم أخوض الغمرات ، وأقتحم الهلكات ، فمن نازعني طلبته ، ومن لحقته قتلته بعجلة وريث ، وتبسم وازورار ، وطلاقة واكفهرار ، ورفق وجفاء ، وصلة وحرمان ، فإن استقاموا كنت لهم وليا حفيا ، وإن خالفوا لم أبق منهم أحدا ، فهذا ما أعددت لهم يا أمير المؤمنين ، ولا عليك أن تجربني ، فإن كنت للطلى قطاعا وللأرواح نزاعا ، وللأموال جماعا ، وإلا فاستبدل بي فإن الرجال كثير .

فقال عبد الملك: أنت لها ، ثم التفت إلى كاتبه ، وقال: اكتب عهده ، ولا تؤخره ، وأعطه من الرجال والكراع والأموال ما سأل . [ ص: 151 ]

قال عبد الملك بن عمير: فبينا نحن جلوس في المسجد الأعظم بالكوفة إذ أتانا آت فقال: هذا الحجاج بن يوسف [وقد قام] أميرا على العراق ، فاشرأب الناس نحوه ، وأفرجوا له إفراجة عن صحن المسجد ، فإذا نحن به يتبهنس في مشيته عليه عمامة حمراء متلثما بها ، متنكبا قوسا عربيا ، يؤم المنبر ، فما زلت أرمقه ببصري حتى صعد المنبر فجلس عليه ، وما تحدر اللثام عن وجهه ، وأهل الكوفة يومئذ لهم حال حسنة وهيئة جميلة ، وعز ومنعة ، يدخل الرجل منهم المسجد معه عشرة أو عشرون رجلا من مواليه وأتباعه عليهم الخزوز والقوهية ، وفي المسجد رجل يقال له عمير بن ضابئ البرجمي ، فقال لمحمد بن عطارد التميمي: هل لك أن أحصبه لك ، قال: لا حتى نسمع كلامه ، فقال: لعن الله بني أمية حيث يستعملون علينا مثل هذا ، ولقد ضيع العراق حيث يكون مثل هذا أميرا عليه ، والله لو أن هذا كله كلام ما كان شيئا .

والحجاج ينظر يمنة ويسرة ، حتى إذا غص المسجد بالناس ، قال: يا أهل العراق ، إني لأعرف قدر اجتماعكم ، هل اجتمعتم؟ فقال رجل: قد اجتمعنا أصلحك الله ، فسكت هنيهة لا يتكلم . فقال الناس: ما يمنعه من الكلام إلا العي والحصر ، فقام الحجاج فحسر لثامه ، وقال: يا أهل العراق ، أنا الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود ، ثم قال:


أنا ابن جلا وطلاع الثنايا     متى أضع العمامة تعرفوني
صليب العود من سلفي نزار     لنصل السيف وضاح الجبين
وماذا يبتغي الشعراء مني     وقد جاوزت رأس الأربعين
أخو خمسين مجتمع لشدي     ونجدة في مداومة الشؤون
وإني لا يعود إلي قرني     غداة العين إلا أي حين

قال أبو بكر: قال أبي: والشعر لسحيم بن وثيل الرياحي ، تمثل به الحجاج- والله [ ص: 152 ] يا أهل العراق إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها ، والله لكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى:


هذا أوان الشد فاشتدي زيم     قد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي إبل ولا غنم     ولا بجزار على ظهر وضم

[وقال]:


قد لفها الليل بعصلبي     وشمرت عن ساق سمري
أروع خراج من الدوي     مهاجر ليس بأعرابي
ما علتي وأنا شيخ رود     والنفوس فيها وتر على عود
مثل ذراع البكر أو أشد     وتروى مثل حران العود

والله يا أهل العراق ما يغمز جانبي كتغماز التين ، ولا يقعقع لي بالشنان ، ولقد فرزت عن ذكاء ، وفتشت عن تجربة ، وأجريت من الغاية ، وإن أمير المؤمنين نثر كنانته فعجم عيدانها عودا عودا ، فوجدني أمرها عودا ، وأشدها مكسرا ، فوجهني إليكم ، فرماكم بي .

يا أهل الكوفة ، يا أهل الشقاق والنفاق ، ومساوئ الأخلاق ، فإنكم طالما أوضعتم في أودية الفتنة ، اضطجعتم في منام الضلال ، وسننتم سنن الغي ، وايم الله لألحونكم لحو العود ، ولأعصبنكم عصب السلمة ، ولأضربنكم ضرب غريبة الإبل ، إني والله لا أحلف إلا بررت ، ولا أعد إلا وفيت ، وإياي وهذه الزرافات والجماعات ، وقال وما يقول ، وكان وما يكون ، وما أنتم وذاك .

يا أهل العراق ، إنما أنتم أهلي قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف [16: 112] .

[ ص: 153 ]

فأتاها وعيد القرآن من ربها ، فاستوثقوا واعتدلوا ولا تميلوا ، واسمعوا وأطيعوا وتتابعوا وبايعوا ، واعلموا أنه ليس مني الإكثار ، لا الفرار ولا النقار ، وإنما [هو] انتضاء هذا السيف ، ثم لا يغمد [في] الشتاء [ولا] الصيف حتى يدل الله لأمير المؤمنين عزكم ، ويقيم له أودكم وصفوفكم ، ثم إني وجدت الصدق من البر ، ووجدت البر من الجنة ، ووجدت الكذب من الفجور ، ووجدت الفجور في النار ، وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم ، وإشخاصكم لمجاهدة عدوكم وعدو أمير المؤمنين ، وقد أمرتكم بذلك وأجلتكم ثلاثا ، وأعطيت الله عهدا يؤاخذني به ويستوفيه مني ، لئن تخلف رجل منكم بعد قبض عطائه لأضربن عنقه ، ولأنتهبن ماله .

ثم التفت إلى أهل الشام ، فقال: يا أهل الشام ، أنتم الجند والبطانة والعشيرة ، والله لريحكم أطيب من ريح المسك الأذفر ، إنما أنتم كما قال الله تعالى: ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء [14: 24] .

ثم أقبل على أهل العراق ، فقال: يا أهل العراق ، لريحكم أنتن من ريح الأبخر ، وإنما أنتم كما قال الله تعالى: ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار [14: 26] .

اقرأ كتاب أمير المؤمنين يا غلام ، فقال القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى من بالعراق ، [من المؤمنين [ ص: 154 ] والمسلمين] ، سلام عليكم ، فإني أحمد الله عليكم الذي لا إله إلا هو .

فسكتوا ، فقال الحجاج من فوق المنبر: اسكت يا غلام ، فسكت القارئ ، فقال: يا أهل الشقاق ، و[يا أهل] النفاق ، ومساوئ الأخلاق ، أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون عليه السلام ، هذا أدب ابن أبيه .

قال مؤلف الكتاب: كذا في هذه الرواية ، والصواب: ابن أذينة . وتأتي في طريق آخر .

والله لئن بقيت لكم لأؤدبنكم أدبا سوى أدبه ، وليستقيمن لي أو لأجعلن لكل امرئ منكم في جسده شغلا ، اقرأ كتاب أمير المؤمنين يا غلام ، فقال القارئ:

بسم الله الرحمن الرحيم ، فلما بلغ موضع السلام صاحوا: وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركاته .

ثم نزل فدخل دار الإمارة ، وحجب الناس ثلاثة أيام ، وأذن لهم في اليوم الرابع ، فدخل عمير بن ضابئ ، فقال: أصلح الله الأمير ، إني شيخ كبير وقد خرج اسمي في هذا البعث ، ولي ابن هو على الحرب والأسفار أقوى مني وأشجع عند اللقاء ، فإن رأى الأمير أن يجعله مكاني فعل ، فقال: انصرف أيها الشيخ راشدا ، وابعث ابنك بديلا ، فلما ولى قال له عنبسة بن سعيد بن العاص: أيها الأمير ، أتعرف هذا؟ قال: لا والله ، قال: هذا عمير بن ضابئ الذي أراد أبوه أن يفتك بأمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ، فلم يزل محبوسا في حبسه حتى أصابته الدبيلة ، فمات . ثم جاء هذا فوطئ أمير المؤمنين عثمان وهو مقتول فكسر ضلعا من أضلاعه ، وأبوه الذي يقول فيما يقول:

[ ص: 155 ]

هممت ولم أفعل وكدت وليتني     تركت على عثمان تبكي حلائله

فقال: علي بالشيخ ، فلما أتى قال: أما يوم الدار فتشهده بنفسك ، وأما في قتال الخوارج فتبعث بديلا ، أما والله أيها الشيخ إن في قتلك لراحة لأهل المصرين ، يا حرسي اضرب عنقه ، فضربت عنقه .

قال: وسمع الحجاج صوتا فقال: ما هذا؟ قالوا: البراجم ينتظرون عميرا ، فقال: ارموا إليهم برأسه ، فرمي إليهم برأسه ، فولوا هاربين .

قال: وكان ابن لعبد الله بن الزبير الأسدي قد سأله أن يشفع له إلى الحجاج أن يأذن في التخلف ، فلما قتل عمير خرج ولم ينتظر الإذن ، فقال ابن عبد الله بن الزبير في ذلك:


أقول لإبراهيم لما لقيته     أرى الأمر أمسى مفظعا متعصبا
تجهز فإما أن تزور ابن ضابئ     عميرا وإما أن تزور المهلبا
هما خطتا خسف نجاؤك منهما     ركوبك حوليا من الثلج أشهبا
وإلا فما الحجاج مغمد سيفه     مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا
فأضحى ولو كانت خراسان دونه     يراها مكان السوق أو هي أقربا
وكم قد رأينا تارك الغزو ناكثا     ينكث حنو السرج حتى تحنبا

فلما اتصل الخيل والرجال بالمهلب تعجب وقال: لقد ولي العراق رجل ذكر .

[ ص: 156 ]

وقد رويت لنا هذه القصة بزيادة ونقصان .

أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ ، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار ، قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي ، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحيم المازني ، قال: حدثنا أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي ، قال: حدثنا عثمان بن مصعب الجندي ، قال: حدثنا عبد الحميد بن سلمة ، قال: حدثني أبي ، عن مجالد عن عبد الملك بن عمير الليثي قال:

كتب روح بن زنباع الجذامي إلى أهل الكوفة ، أن أمير المؤمنين لما أمضه اضطرابكم ، واشتد بلاؤكم ، وكثر توثبكم على الولاة تحصبونهم وتقصرونهم ولا تنقادون جمع أهل بيته وأكابرهم ممن لهم البأس والنجدة والعز والعدد والظفر ، فقال:

أيها الناس ، إن العراق قد كدر ماؤها ، واملولح عذبها ، وعذب ملحها ، وسطع لهبها ، وبرق وميضها ، وثار ضرامها ، واشتد شعابها ، والتاث أفانينها ، ودام بأسها ، وعظم شررها ، وكثر موقدها ، فحرها ذكي ، وخطبها وبي ، ومرعاها وخيم ، قد صدرهم الكبار ، ولا يقيم درهم الصغار ، فمن ينتدب لهم منكم بسيف قاطع ، وفرس راتع ، وسنان لامع ، وجنان غير خاضع ، فيخمد نيرانها ، ويبيد شبانها ، ويقصم كهولها ، ويقتل جهولها حتى يعيش فقيرها ، وينتفع بماله غنيها ، ويستقر الآئب ، ويرجع الغائب ، ويحيي الخراج ، ويداوي الجراح ، وتصفو البلاد ، ويسلس القياد ، فقد دعرت سلبها ، وجهرت لظالمها ، وليتكلم رجل يقيم أودهم بسيف أدلب أو خرج .

فسكت الناس ، فقام الحجاج بن يوسف ، فقال: أنا للعراق يا أمير المؤمنين ، قال: ومن أنت؟ قال: [أنا الليث المنضام الهزبر المقصام]: أنا الحجاج بن يوسف ، قال: اجلس فلست هناك . ثم أطرق مليا ، وقال: من للعراق ، فقد أطرقت الليوث ، ولست أرى أسدا يقصد نحو فريسته ، فسكت الناس ، فقام الحجاج بن يوسف الثقفي فقال: أنا للعراق يا أمير [ ص: 157 ] المؤمنين ، قال: ومن أنت؟ قال: أنا الحجاج بن يوسف ، معدن العفو والبوار . قال: اجلس فلست هناك ، ثم أطرق مليا فقال: من للعراق ، فقد قوي الضعيف ، وخضع الشديد ، فقام الحجاج فقال: أنا للعراق يا أمير المؤمنين .

فقال: يا ابن يوسف ، لكل أمر آلة وقلائد ، فما آلتك وقلائدك؟ قال: القتل والعفو ، والمكاشفة والمداراة ، والحرق والرفق ، والعجلة والريث ، والإبراق والتبسم ، والإرعاد والتنفس ، والإبعاد والدنو ، [والرفق] والجفا طورا ، والزيارة والصلة آونة ، والتجبر والتقمص أحيانا ، والحرمان والترهيب والترغيب ألوانا ، ألبس جلد النمر ، وسيفا منيعا ، وتواضعا في تجبر ، وخوض غمرات الفنيق ، ضحضاح الثمد عند الورود ، فمن رمقني حددته ، ومن لوى شدقه خدعته ، ومن نازعني جذبته ، ومن عض منقبة بددته ، ومن تغير لونه قتلته ، ومن دنا أكرمته ، ومن نأى طلبته ، ومن ماحكني غلبته ، ومن أدركته كسعته ، فهذه آلتي وقلادتي ، ولا عليك يا أمير المؤمنين أن تجربني ، فإن كنت للأعناق قطاعا ، وللأوصال جزاعا ، وللأرواح نزاعا ، وللخراج جماعا ، ولك في [هذه] الأشياء نفاعا ، وإلا فاستبدل بي غيري ، فإن الناس كثير ، ومن يسد بهم الثلم قليل .

فقال عبد الملك: أنت لها لله أبوك ، فتناولها كيف شئت ، ثم التفت إلى كاتبه ، فقال: اكتب له عهدا على العراق جميعا ، وأطلق يده في السلاح والكراع والرجال والأموال ، ولا تجعل له علة ، وقد كتب عهده يوم الاثنين وهو خارج يوم السبت ، فالزموا طاعته يا أهل الكوفة ، واحذروا صولته .

فبينا نحن جلوس في المسجد الأعظم بالكوفة إذ أتانا آت ، فقال: الحجاج بن يوسف قد قدم أميرا على العراق ، فاشرأب الناس نحوه ينظرون إليه ، ثم أفرجوا له [ ص: 158 ] إفراجة واحدة عن صحن المسجد ، وإذا هم به يمشي ، عليه عمامة حمراء قد تلثم بها وهو متنكب قوسا له عربية ، وهو يؤم المنبر ، قال: فما زلت أرميه ببصري حتى جلس على المنبر ما يحدر لثامه ، ولا ينطق حرفا ، وأهل الكوفة يومئذ ذو حالة حسنة وهيئة جميلة ، في عز ومنعة ، فكان الرجل يدخل المسجد ومعه الخمسة والعشرة والعشرون من مواليه وأتباعه عليهم الخزوز والقوهية ، وفي المسجد يومئذ عمير بن ضابئ البرجمي ، وعبد الرحمن بن محمد الأشعث ، ومحمد بن عمير بن حاجب بن زرارة الحنظلي ، فابتدرنا عمير ، فقال: أحصبه لكم ، فقلنا: لا ، حتى نسمع ما يقول ، فأبى عمير إلا أن يحصبه ، فمنعناه ، فقال: لعن الله بني أمية حيث يستعملون مثل هذا ، وضيع والله العراق حيث صار مثل هذا عليها واليا ، فوالله لو كان هذا كله كلاما ما كان شيئا .

والحجاج ساكت ينظر يمينا وشمالا ، فلما رأى المسجد قد غص بأهله ، قال: اجتمعتم ، فلم يرد عليه أحد شيئا ، فقال: كأني أرى قدر اجتماعكم ، فقال رجل من القوم: قد اجتمعنا أصلح الله الأمير ، فسكت هنيهة ، فلما رأى القوم أنه لا يحير جوابا ، قال بعضهم لبعض: ما يمنعه من الكلام إلا العي ، وأهووا بأيديهم إلى الحصى ليحصبوه بها ، ففطن الحجاج فوثب قائما وقد أحاط بالمسجد مائتا طائل ، ومائتا دارع ، ومائتا جاشن ، ومائتا سائف ، ومائتا رامح ، على الطائلة سويد بن عدية العجلي ، وعلى الدارعة السكن بن يوسف الثعلبي ، وعلى السائفة بدر بن مدركة اليشكري ، وعلى البرامجة عطية بن حويرثة الأصبحي ، فكان مما راعهم ذلك وأفزعهم ، فأومأ الحجاج إلى الطائلة أن اسكتوا فسكتوا ، فقال: أفعلتموها يا أهل العراق ويا أهل العير الداجنة ، أنا الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن عامر بن مسعود ، عظيم القريتين ، ابن معتب بن مالك بن عوف بن قسي بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان بن مضر ، ثم قال:


أنا ابن جلا وطلاع الثنايا     متى أضع العمامة تعرفوني


[ ص: 159 ] صليب العود من سلفي نزار     كنصل السيف وضاح الجبين
فماذا يغمز الأقران مني     وقد جاوزت حد الأربعين
أخو خمسين مجتمع أشدي     وتحددني مداولة الشؤون



يا أهل الكوفة إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها ، وإني لصاحبها ، لله أبوكم ، كأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى ، ثم قال:


هذا أوان الشد فاشتدي زيم     قد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي إبل ولا غنم     ولا بجزار على ظهر وضم
من يلقني يودى كما أودت إرم      . . . . . . . . .




قد لفها الليل بعصلبي     مهاجر ليس بأعرابي
قد شمرت عن ساق سمهري      . . . . . . . . . . . .



وايم الله يا أهل العراق لا يغمز جنابي كتغماز التين ، ولا يقعقع لي بالشنان ، فلقد فرغت عن ذكاء ، وفتشت عن تجربة ، وأجريت إلى الغاية القصوى ، إن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان نكث كنانته بين يديه ، فعجم عيدانها عودا عودا فوجدني أمرها عودا ، وأصلبها مكسرا ، فوجهني إليكم يا أهل العراق والشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق ، إنكم والله طالما أوضعتم في أودية الفتنة ، واضطجعتم في منام الضلالة ، وسلكتم سنن الغي ، والله لأقرعنكم قرع المروة ، ولألحونكم لحو العود ، ولأعصبنكم عصب السلمة والشاة السقيمة ، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل ، واعلموا أني والله لا أعد إلا وفيت ، ولا أحلق إلا فريت ، ولا أحلف إلا نزرت ، ولا أبعد إلا شيعت ، وإياكم وهذه الزرافات والخرافات والبطالات والمقالات والجماعات ، وقيل وقال ، وما قال وما يقول ، وكان و[ما] يكون ، وفيم أنتم ، وما أنتم وذاك .

يا أهل الكوفة [ ص: 160 ] إنما أنتم أهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف [16: 112] وآتاها وعيد القرى من ربها بسوء ما كسبت أيديهم ، ألا إن الأمور إذا استقرت لا يدركها إلا كل ذي لب برأيه ، وإن خير الرأي ما هدى الله به العبد ، وراقبوا الله واعتصموا بحبله ، وأعطوا القياد خلفاءكم وأمراءكم من قبل زوال النعمة ، ولا تكونوا كالذين لا يعقلون ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون [7: 177] فليعقل من كان له معقول ، فقد أعذر من أنذر ، فقد والله حلت بكم بائقة فيها بوائق تتلوها ، سطوة من سطوات الله تجتاح الأموال ، وتهريق الدماء ، ثم لا تستطيعون عند ذلك غبرا ، ولا تبدلون نعما .

لا تغروني يا قوم بكم ، ولا تسهروني بعد رقدتي ، فإني راض بما صفا لي منكم من علانيتكم ، ما لم تكن حيلة في سواد هذه الدهماء ، ولا تحملوني على أكتافكم بأحجاركم في رقابتكم ، وفي كل يوم ما الخبر ، إن الحجاج ذو حسام باتر ، تجتلى به الأوصال ، فكم له في كل حي من حرز إلا من استوثقت لنا طاعته ، وخلصت لنا مودته ، ودامت لنا مقته ، فذاك منا ونحن منه ، فأما من ركب الترهات وأخذ في النية بعد النية ، فهيهات هيهات ، يا هيهات لأهل المعاصي والنفاق ، ألا ترهبون ، ويحكم أن تغير عليكم الخيل الملجمة فتترككم أمثال الرقاق المنتفخة المستوسقة الشائلة بأرجلها ، ألا وإن نصلي سبك من دماء [أهل] العراق ، فمن شاء فليحقن دمه ، ومن أبى أوسعت بالوعة الموت دمه ، وفتتت للسباع لحمه ، وقامت الرخم على شلوه ، وضعت الدعارع بعجمه ، فمهلا يا أهل العراق مهلا ، فإن تميلي بقرن الصعاب ، وبذل الرقاب ، ولو قل العقاب وتستقل الحروب ، ألم تعلموا أني في الحروب ولدت ، وفيها تلددت ، وفيها فطمت ، وفيها قطعت تمائمي ، وبليت نواجذي ، وصلع رأسي ، أفأنتم تجلجلونني لن يكون ذلك حتى يجلجل صم الصناخيد التي هي للأرض أوتاد ، وإني قد سست وساسني السائسون ، وأدبني المؤدبون .

[ ص: 161 ] استوثقوا واستقيموا ، وتابعوا وبايعوا ، وجانبوا واحذروا واتقوا ، واعلموا أنه ليس مني الإكثار ولا الإهذار ، ولا مع ذلك الفرار ولا النفار ، وإنما هو انتضاء السيف ، ثم لا يغمد الشتاء ولا الصيف حتى تفيئوا إلى أمر الله ، وتجتمعوا إلى طاعته وطاعة أمير المؤمنين حتى يذل الله له صعبكم ، ويقيم أودكم ، ويلوي به صغيركم .

ألا وإني وجدت الصدق مع البر ، والبر في الجنة ، وألفيت الكذب مع الفجور ، والفجور في النار . وقد وجهني أمير المؤمنين إليكم ، وأمرني بإعطائكم عطاياكم ، وإشخاصكم إلى مجاهدة عدوكم ، وقد أمرت بذلك لكم ، وأجلتكم ثلاثا ، وأعطي الله عهدا يأخذه مني ويستوفيه علي ، لئن بلغني أن رجلا تخلف منكم بعد قبض عطائه يوما واحدا لأضربن عنقه ، ولأنهبن ماله .

اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين يا غلام ، فقال الكاتب:

"بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الملك بن مروان إلى من بالعراق من المؤمنين والمسلمين ، سلام عليكم" . فلم يقل أحد شيئا ، فغضب الحجاج وقال: يا أهل الفتن الداحية ، والأهواء الراثية ، والألباب الماجنة ، أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون عليه السلام ، والله لأؤدبنكم غير أدب ابن أذينة -وكان ابن أذينة صاحب شرطة بالكوفة- ولأجعلن لكل امرئ منكم في جسده شغلا ، أعد القراءة يا غلام ، فأعاد الكاتب ، فلما بلغ قوله: سلام عليكم ، قال جميع من في المسجد ، وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركاته ، ثم نزل فدخل الدار .

فلما كان اليوم الرابع أتاه عمير بن ضابئ البرجمي ومعه ابنان له ، وقد ركب معه جماعة من البراجمة ألفا فارس ، وقالوا له: إن رأيت من الأمير ريبا فدماؤنا دون دمك ، فقال: أيها الأمير ، إني شيخ كبير ، وقد خرج اسمي في هذا البعث ، وابني هذا أقوى مني على السفر ، وأجلد في الحرب ، فإن رأى الأمير أن يمن علي بلزوم منزلي ، ويقبل ابني بديلا فعل ذلك موفقا . فقال: نعم ، ذلك لك يا شيخ ، انطلق راشدا ، وابعث ابنك بديلا .

فلما ولى قال له عنبسة بن سعيد بن العاص: أيها الأمير ، أتعرف هذا الشيخ الذي [ ص: 162 ] ناجاك آنفا؟ قال: لا ، قال: هذا عمير بن ضابئ البرجمي الذي هجا أبوه ابن قطن في حال كلب لهم يقال له قرحان [وكان] يصيد حمر الوحش ، فاستعاره منهم ، فلما طلبوه منه منعهم ، فركبوا إليه فساءوه ، فأنشأ يقول:


تكلف دوني وفد قرحان شقة     تضل لها الوجناء وهي حسير
فأردفتهم كلبا فراحوا كأنما     حباهم تناج الهرمزان أسير
فيا راكبا إما عرضت فبلغن     ثمامة عني والأمور تدور
فأمكم لا تتركوها وكلبكم     فإن عقوق الأمهات كبير
إذا ما انتشى من آخر الليل نشوة     يبيت له فوق الفراش هرير

فاستعدوا عليه عثمان فحبسه في السجن حتى مات ، واتخذ حديدة لعثمان ليقتله بها ، فعلم بذلك عثمان فحبسه حتى مات في السجن ، وقد كان في مرضه قال:


وقائلة لا يبعد الله ضابئا     إذا اخضر من دهر الشتاء أصائله
وقائلة لا يبعد الله ضابئا     إذا العرب الرعى تنضت سوائله
وقائلة لا يبعد الله ضابئا     إذا الكبش لم يوجد له من ينازله
هممت ولم أفعل وكدت وليتني     تركت على عثمان تبكي حوائله
فلا تتبعوني إن هلكت ملامة     فليس بعار قتل قرن أنازله

فلما قتل عثمان دخل هذا فيمن دخل عليه يطلب ثأر أبيه ، فكسر ضلعا من أضلاع عثمان وهو يقول:

أين تركت ضابئا يا نعثل؟!

قال: فقال الحجاج: ردوه ، فردوه ، فقال: أتشهد يوم الدار بنفسك وتطلب اليوم بديلا ، هلا سألت بديلا يوم الدار ، والله أيها الشيخ إن في قتلك صلاحا للمصرين ، يا حرسي اضرب عنقه ، ثم قال: إني والله لجواد بدمه إن قتله غيري ، قربوه . فقربوه [ ص: 163 ] فضرب عنقه ، فإذا رأسه بين رجليه ، ثم أخذ بلحيته فهزها وأخذ يتمثل بشعر يزيد بن أبي كاهل اليشكري:


ساء ما ظنوا وقد أبليتهم     عند غايات المدى كيف أقع
كيف يرجون سقاطي بعدما     جلل الرأس بشيب وصلع
رب من أنضحت غيظا صدره     قد تمنى لي موتا لم يطع
وتراني كالشجى في خلقه     عسرا مخرجه ما ينتزع
ويحييني إذا لاقيته     وإذا يخلو له الحي رتع

ثم سمع ضوضاء ، فقال: ما هذه الضوضاء ، قالوا: البراجم بالباب تنتظر عميرا ، فقال: أتحفوهم برأسه ، فرمى بالرأس إليهم ، فلما نظروا إليه ولوا هاربين لاحقين بمراكزهم ، ثم إنهم ازدحموا على الحسين بن أبي براء التميمي فاستنصروه ، فقال: لأمهاتكم الهبل ، ألا تتقون الله ، تحملونني على إهراق الدماء ، والله لا يترك الحجاج قدما إلا أوطأها عبد الملك بن مروان ، ولا نزل بأحدكم أخرى إلا لحق بعمير وبمثله ، والله يقرن الصعاب .

ومر عبد الله بن الزبير الأسدي بابن عم له يقال له إبراهيم ، فقال: ما وراءك أبا حبيب ، قال: ورائي كل بلية ، قتل والله عمير بن ضابئ ، النجاء النجاء ، وأنشأ يقول:


أقول لإبراهيم لما لقيته     أرى الأمر أمسى هالكا متشعبا
ترحل فإما أن تزور ابن ضابئ     عميرا وإما أن تزور المهلبا
هما خطتا كره نجاؤك منهما     ركوبك حوليا من الثلج أشبها
وإن على الحجاج فيه ألية     بمعد لها نابا علوفا ومحلبا
فأضحى ولو كانت خراسان دونه     رآها مكان السوق أو هي أقربا
وإلا فما الحجاج مغمد سيفه     مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا
وكم قد رأينا تارك الغزو ناكلا     ينكب حبو السرج حتى تنكبا



[ ص: 164 ] فخرج الناس أرسالا يؤمون خراسان نحو المهلب ، فلما قدموا عليه قال المهلب: اليوم قوتل والله العدو ، ويحكم! من ولي العراق؟ قالوا له: الحجاج بن يوسف ، قال المهلب: وليها والله رجل ذكر ، ثم قال: يا أهل العراق لقد داهتكم داهية ، ورميتم بالخنة ، ولقد مارسكم امرؤ ذكر . وقصوا عليه قصة الحجاج ، فقال: والله لقد تخوفت أن يكون القادم عليكم مبير ثقيف ، وليخربن دياركم ، وليسجد من أبنائكم ، وليمزقنكم كل ممزق ، اللهم لا تسلطه علينا ولا على أحد من أوليائك؛ إنك على كل شيء قدير .

قال مؤلف الكتاب: وفي رواية أخرى: أن الحجاج لما فرغ من خطبته قال:

الحقوا بالمهلب ، وأتوني بالبراءات بموافاتكم ، ولا تغلقوا باب الجسر ليلا ولا نهارا ، فلما قتل عمير بن ضابئ خرج الناس فازدحموا على الجسر ، وخرجت العرفاء إلى المهلب وهو برامهرمز ، فأخذوا كتبه بالموافاة ، ولما وصل الحجاج إلى الكوفة بعث الحكم بن أيوب الثقفي أميرا على البصرة ، وأمره أن يشد على خالد بن عبد الله ، فلما بلغ خالدا الخبر خرج من البصرة قبل أن يدخلها الحكم ، فنزل الحجاج وتبعه أهل البصرة ، فلم يبرح حتى قسم فيهم ألف ألف درهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية