الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
530 - علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، أبو الحسن:

أمه أم ولد اسمها غزالة . روى عن أبيه ، وابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، وصفية ، وأم سلمة ، وشهد مع أبيه كربلاء وهو ابن ثلاث وعشرين سنة ، وكان مريضا حينئذ ملقى على الفراش ، فلما قتل الحسين قال شمر: اقتلوا هذا ، فقال رجل من أصحابه: سبحان الله ، أتقتلون غلاما حدثا مريضا لم يقاتل ، وجاء عمر بن سعد بن أبي وقاص ، فقال: لا تعرضوا للنسوة ولا لهذا المريض ، ثم أدخل على ابن زياد ، فهم [ ص: 327 ] بقتله ثم تركه وبعثه إلى يزيد ، فرده إلى المدينة ، فالعقب من ولد الحسين لعلي من هذا ، وأما الأكبر المقتول فلا عقب له .

أخبرنا المبارك بن علي الصيرفي ، عن عبد الغفار بن القاسم ، قال: كان علي بن الحسين خارجا من المسجد ، فلقيه رجل فسبه ، فثارت إليه العبيد والموالي ، فقال علي بن الحسين: مهلا عن الرجل ، ثم أقبل عليه ، فقال: ما ستر الله عليك من أمرنا أكثر ، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل ، فألقى إليه خميصة كانت عليه ، وأمر له بألف درهم ، فكان الرجل بعد ذلك يقول: أشهد أنك من أولاد الرسل . أنبأنا البارع بإسناد له عن محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، قال: قدم المدينة قوم من أهل العراق فجلسوا إلي ثم ذكروا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فنسبوهما ، ثم ابتركوا في عثمان ابتراكا ، فقلت لهم: أخبروني ، أنتم من المهاجرين الأولين الذين قال الله فيهم: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون قالوا:

لسنا منهم قال: فأنتم من الذين قال الله -عز وجل- فيهم: والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون قالوا: لسنا منهم . قال لهم: أما أنتم فقد تبرأتم من الفريقين أن تكونوا منهم ، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله -عز وجل- فيهم: والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم قوموا عني ، لا قرب الله قربكم فأنتم تستترون بالإسلام ، ولستم من أهله .

[ ص: 328 ]

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ، قال: أخبرنا علي بن محمد الأنباري ، قال:

أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف ، قال: أخبرنا ابن صفوان ، قال: أخبرنا أبو بكر القرشي ، قال: حدثني محمد بن أبي معشر ، قال: حدثني ابن أبي نوح الأنصاري ، قال: وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين رضي الله عنهما وهو ساجد ، فجعلوا يقولون له: يا ابن رسول الله النار ، يا ابن رسول الله النار ، فما رفع رأسه حتى أطفئت ، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ قال: ألهتني النار الأخرى . أخبرنا محمد بن عبد الباقي بإسناد له عن عبد الله بن أبي سليمان ، قال: كان علي بن الحسين رضي الله عنهما لا تجاوز يده فخذه ، ولا يخطر بيده ، وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة ، فقيل له: ما لك؟ فقال: تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي . أخبرنا محمد بن أبي القاسم بإسناد له عن أبي حمزة الثمالي ، قال: كان علي بن الحسين رضي الله عنهما يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب عز وجل . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز [بإسناده] عن جعفر بن محمد ، قال: كان علي بن الحسين رضي الله عنهما لا يحب أن يعينه على طهوره أحد ، كان يستقي الماء لطهوره ويخمره قبل أن ينام ، فإذا قام من الليل بدأ بالسواك ثم يتوضأ ثم يأخذ في صلاته ، وكان لا يدع صلاة الليل في السفر والحضر ، وربما صلاها على بعيره ، وكان يقول: عجبت للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثم هو غدا جيفة ، وعجبت كل العجب لمن شك في الله وهو يرى خلقه ، وعجبت كل العجب لمن ينكر النشأة الأخرى وهو يرى الأولى ، ولمن عمل لدار الفناء وترك دار البقاء .

وكان إذا أتاه سائل رحب به وقال: مرحبا بمن يحمل زادي إلى الآخرة . [ ص: 329 ]

أخبرنا محمد بن ناصر بإسناد له عن طاووس ، قال: رأيت علي بن الحسين رضي الله عنهما ساجدا ، فقلت: رجل صالح من أهل بيت طيب ، لأسمعن ما يقول:

فأصغيت إليه فسمعته يقول: عبيدك بفنائك ، مسكينك بفنائك ، سائلك بفنائك ، فقيرك بفنائك . فو الله ما دعوت بها في كرب إلا كشف عني . أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار ، قال: أخبرنا ابن علي الطناجيري ، قال: أخبرنا أبو حفص بن شاهين ، قال: حدثنا محمد بن الحسن ، قال: حدثنا أحمد بن الحارث ، قال: حدثنا جدي قال: حدثنا الهيثم بن عدي ، قال: حدثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه ، قال: قال علي بن الحسين رضي الله عنهما: سألت الله -عز وجل- في دبر كل صلاة [سنة] أن يعلمني اسمه الأعظم . قال:

فو الله إني لجالس قد صليت ركعتي الفجر إذ ملكتني عيناي ، فإذا رجل جالس بين يدي قال: قد استجيب لك ، فقل: اللهم إني أسألك باسمك الله الله الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم . ثم قال لي: أفهمت أم أعيد عليك ، قلت: أعد علي ، ففعل قال علي: فما دعوت بها في شيء قط إلا رأيته ، وإني لأرجو أن يدخر الله لي عنده خيرا . أخبرنا عبد الوهاب ، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار ، قال: حدثنا أبو محمد الجوهري ، قال: حدثنا ابن حيويه ، قال: أخبرنا [أبو بكر] بن الأنباري ، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، قال: حدثنا علي بن عبد الله ، قال: حدثنا عبد الله بن هارون بن أبي عيسى ، عن أبيه ، عن حاتم بن أبي صفيرة ، عن عمرو بن دينار ، قال: دخل علي بن الحسين رضي الله عنهما على أسامة بن زيد في مرضه الذي مات [ ص: 330 ] فيه وهو يبكي ، فقال له: ما يبكيك؟ قال: دين علي ، قال: كم مبلغه؟ قال: خمسة عشر ألف دينار - أو بضعة عشر ألف دينار - قال: فهو علي . وقال شيبة بن نعامة الضبي: كان علي بن الحسين رضي الله عنهما يبخل ، فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت . وفي رواية: أنه كان إذا أقرض قرضا لم يستعده ، وإذا عار ثوبا لم يرتجعه ، وإذا وعد شيئا لم يأكل ولم يشرب حتى يفي بوعده ، وإذا مشى في حاجة فوقفت قضاها من ماله . وكان يحج ويغزو ولا يضرب راحلته . وكان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة . وقال الزهري: لم أر هاشميا أفضل منه ولا أفقه منه .

أنبأنا محمد بن أبي منصور الحافظ ، قال: أخبرنا أبو الفضل جعفر بن يحيى بن إبراهيم المكي ، قال: أخبرنا القاضي أبو الحسن محمد بن علي بن صخر ، قال: أخبرني علي بن أحمد بن عبد الرحمن الأصبهاني ، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال: حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، قال: سمعت الزهري يقول:

وجه عبد الملك بن مروان رسلا في حمل علي بن الحسين فوجدوه بمكة ، فحملوه مكبلا بالحديد ومنع الناس أن يدخلوا عليه .

قال ابن شهاب: فأذنت عليه ، فصرفني البوابون من عند عبد الملك فأذنوا لي ، فدخلت عليه الحبس وجعلت أتوجع له وأقول له: يعز علي يا ابن رسول الله أن أراك على مثل هذه الحالة ، فلما رأى شدة حزني وبكائي ، قال: يا زهري ، لا تجزع إن هذا الحديد لا يؤذيني ، ثم نزعه من رجله ووضعه بين يدي ، وقال: لست أجوز معهم ذات عرق .

قال: ثم مضوا به محمولا ، فما لبثنا بعد ذلك إلا أربعة أيام حتى [أتت] رسل عبد الملك يسألون عن علي بن الحسين وقد فقدوه ، فقلت كيف كان أمره؟ قالوا: لما [ ص: 331 ] نزلنا ذات عرق فبتنا بها ليلتنا تلك فلما أصبحنا وجدنا حديده وفقدناه .

قال ابن شهاب: فقدمت بعد ذلك بأسبوع على عبد الملك وهو بالشام فسألني عن علي بن الحسين ، فقلت: أنت أعلم به مني ، فقال: إنه قدم علي في اليوم الذي فقده فيه أصحابي بذات عرق فدخل علي من هذا الباب فقال: ما أنا وأنت ، فقلت: أريد أن تقيم عندي قال علماء السير: حج هشام بن عبد الملك ولم يل الخلافة بعد ، فطاف بالبيت فجهد أن يصل إلى الحجر فيستلمه ، فلم يقدر عليه ، فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس ، فأقبل علي بن الحسين فطاف بالبيت ، فلما بلغ إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلمه ، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه ، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام ، وكان الفرزدق حاضرا ، فقال الفرزدق: ولكني أعرفه ، فقال الشامي: من هذا يا أبا فراس؟ ، فقال:


هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم     هذا ابن خير عباد الله كلهم
هذا التقي النقي الطاهر العلم     إذا رأته قريش قال قائلها
إلى مكارم هذا ينتهي الكرم     ينمى إلى ذروة العز التي قصرت
عن نيلها عرب الإسلام والعجم     يكاد يمسكه عرفان راحته
ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم     لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه
لخر يلثم منه الكف والقدم     يغضي حياء ويغضى من مهابته
فما يكلم إلا حين يبتسم     من جده دان فضل الأنبياء له
وفضل أمته دانت له الأمم [ ص: 332 ]     ينشق نور الهدى عن نور غرته
كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم     مشتقة من رسول الله نبعته
طابت عناصره والخيم والشيم     هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله
بجده أنبياء الله قد ختموا     الله شرفه قدما وفضله
جرى بذاك له في لوحه القلم     وليس قولك: من هذا؟ بضائره
العرب تعرف من أنكرت والعجم     كلتا يديه غياث عم نفعهما
يستوكفان ولا يعروهما العدم     سهل الخليقة لا تخشى بوادره
يزينه اثنان حسن الخلق والشيم     حمال أثقال أقوام إذا فدحوا
رحب الفناء أريب حين يعتزم     عم البرية بالإحسان فانقشعت
عنه الغيابة والإملاق والعدم     من معشر حبهم دين وبغضهم
كفر وقربهم منجى ومعتصم     إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم
أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم     لا يستطيع جواد بعد غايتهم
ولا يدانيهم قوم وإن كرموا     هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت
والأسد أسد الشرى والبأس محتدم     لا ينقص العسر بسطا من أكفهم
سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا     يستدفع السوء والبلوى بحبهم
ويسترب به الإحسان والنعم     مقدم بعد ذكر الله ذكرهم
في كل بدء ومختوم به الكلم     يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم
خيم كريم وأيد بالندى هضم     أي الخلائق ليست في رقابهم
لأولية هذا أو له نعم     ما قال لا قط إلا في تشهده
لولا التشهد كانت لاءه نعم     من يعرف الله يعرف أولية ذا
الدين من بيت هذا ناله الأمم

قال: فغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق بعسفان - بين مكة والمدينة . وبلغ ذلك علي بن الحسين ، فبعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم ، وقال: أعذر أبا فراس ، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به ، فردها الفرزدق وقال: يا ابن رسول الله ما قلت [ ص: 333 ] الذي قلت إلا غضبا لله -عز وجل- ولرسوله ، وما كنت لأزرأ عليه شيئا ، فقال: شكر الله لك ، إلا أنا أهل البيت إذا أنفذنا أمرا لم نعد فيه ، فقبلها ، وجعل يهجو هشاما وهو في الحبس ، فكان مما هجاه به قوله:


أتحبسني بين المدينة والتي     إليها قلوب الناس يهوى منيبها
يقلب رأسا لم يكن رأس سيد     وعين له حولاء باد عيوبها

توفي علي بن الحسين بالمدينة في هذه السنة ، ودفن بالبقيع ، وهو ابن ثمان وخمسين سنة .

ومن العجائب: ثلاثة كانوا في زمان واحد ، وهم بنو أعمام ، كل واحد منهم اسمه علي ، ولهم ثلاثة أولاد كل واحد اسمه محمد ، والآباء والأبناء علماء أشراف:

علي بن الحسين بن علي ، وعلي بن عبد الله بن عباس ، وعلي بن عبد الله بن جعفر .

التالي السابق


الخدمات العلمية