الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين

فمن الحوادث فيها مسير عبد الملك بن مروان إلى العراق لحرب ابن الزبير .

وكان عبد الملك لا يزال يقرب من مصعب ، ويخرج مصعب ، ثم تهجم الشتاء فيرجع كل واحد منهما إلى موضعه ، ثم يعودان . ثم إن عبد الملك خرج من الشام يريد مصعبا من سنة سبعين ومعه خالد بن عبد الله ، فقال له خالد: إن وجهتني إلى البصرة وأتبعتني خيلا يسيرة رجوت أن أغلبك عليها ، فوجهه عبد الملك ، فقدمها مستخفيا في مواليه وخاصته حتى نزل على عمرو بن أصمع الباهلي ، فأجاره وأرسل إلى عباد بن الحصين -وكان على شرطة ابن معمر ، وكان مصعب إذا شخص عن البصرة استخلف عبيد الله بن عبد الله بن معمر- ورجا عمرو بن أصمع أن يتابعه عباد ، فقال له: إني قد أجرت خالدا ، وأحببت أن تعلم ذلك لتكون لي ظهرا ، فوافاه رسوله حين نزل عن فرسه ، فقال له عباد: قل له: والله لا أضع لبد فرسي حتى آتيك في الخيل ، فقال عمرو لخالد:

إني لا أغرك ، هذا عباد يأتينا الساعة ، ولا والله ما أقدر على منعك ، ولكن عليك بمالك بن مسمع .

فخرج يركض ، عليه قميص قوهي قد حسره عن فخذيه ، وأخرج رجليه من الركابين حتى أتى مالكا ، فقال: إني قد اضطررت إليك فأجرني ، قال: نعم . ووجه مصعب زحر بن قيس مددا لابن معمر في ألف ، ووجه عبد الملك عبد الله بن [ ص: 111 ] زياد بن ظبيان مددا لخالد ، فلما وصل علم تفرق الناس ، فلحق بعبد الملك ودافع مالك بن مسمع عن خالد ، وكانت تجري مناوشات وقتال ، وأصيبت عين مالك بن مسمع فضجر من الحرب ، ومشت السفراء بينهم ، [فصولح مالك] على أن يخرج خالد وهو آمن ، فأخرجه من البصرة .

فصل

ولما جد عبد الملك في قتال مصعب قيل له: لو بعثت غيرك ، فقال: إنه لا يقوم بهذا الأمر إلا قرشي له رأي ، ولعلي أبعث من له شجاعة ، ولا رأي له ، وإني أجد في نفسي أني بصير بالحرب ، شجاع بالسيف إن ألجئت إلى ذلك ، ومصعب شجاع ولا علم له بالحرب ، ومن معه يخالفه ، ومن معي ينصح لي .

أخبرنا ابن ناصر ، قال: أخبرنا عبد المحسن بن محمد ، قال: أخبرنا عبد الكريم بن محمد المحاملي ، قال: أخبرنا الدارقطني ، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سالم ، قال: أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن شبيب ، قال: حدثنا الزبير ، قال: حدثني عمر بن أبي بكر القرشي ، عن عبد الله بن أبي عبيدة ، قال: لما أراد عبد الملك الخروج إلى مصعب أتته امرأته عاتكة بنت يزيد فبكت وبكى جواريها ، فجلس ثم قال: قاتل الله ابن أبي جمعة حيث يقول:


إذا ما أراد الغزو لم يثن همه حصان عليها نظم در يزينها     نهته فلما لم تر النهي عاقه
بكت وبكى مما عناها قطينها

وسار عبد الملك حتى نزل بمسكن ، وكتب إلى شيعته من أهل العراق ، ثم جاء مصعب ، فلما تراءى العسكران تقاعس بمصعب أصحابه ، فقال لابنه عثمان: يا بني ، اركب إلى عمك أنت ومن معك فأخبره بما صنع أهل العراق ، ودعني فإني مقتول ، فقال ابنه: الحق بالبصرة أو بأمير المؤمنين ، فقال: والله لا تتحدث قريش أني فررت ولكن أقاتل ، فإن قتلت فلعمري ما السيف بعار ، وما الفرار لي بعادة .

[ ص: 112 ]

فأرسل إليه عبد الملك بأخيه محمد بن مروان يقول له: إن ابن عمك يعطيك الأمان ، فقال مصعب: إن مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبا أو مغلوبا .

فأثخن مصعب بالرمي ، ثم شد عليه زائدة بن قدامة فطعنه وقال: يا لثارات المختار ، ونزل إليه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فاحتز رأسه ، وقال: إنه قتل أخي ، فأتى به عبد الملك فأثابه ألف دينار ، فأبى أن يأخذها وقال: إنما قتلته على وتر صنعه بي ، فلا آخذ في حمل رأسه مالا .

وكان قتل مصعب على نهر يقال له الدجيل ، ثم دعا عبد الملك أهل العراق فبايعوه .

التالي السابق


الخدمات العلمية