الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وفي هذه السنة ضرب عمر بن عبد العزيز خبيب بن عبد الله بن الزبير بن العوام خمسين سوطا .

وقيل: مائة سوط عن أمر الوليد بن عبد الملك بذلك ، وصب على رأسه قربة ماء بارد في يوم شات ، ووقفه على باب المسجد ، فمكث يوما ومات .

وكان السبب أن خبيبا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا عباد الله خولا ومال الله دولا" . أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب الدباس ، قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة ، قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص ، قال: أخبرنا أحمد بن سليمان بن داود [ ص: 310 ] الطوسي ، قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عمي مصعب بن عبد الله ، قال:

كان خبيب قد لقي العلماء ولقي كعب الأحبار ، وقرأ الكتب ، وكان من النساك ، وأدركه أصحابنا وغيرهم يذكرون أنه كان يعلم علما كثيرا لا يعرفون وجهه ولا مذهبه فيه يشبه ما يدعي الناس من علوم النجوم .

قال عمي مصعب: وحدثت عن مولى لخالته أم هاشم بنت منظور يقال له يعلى بن عقبة ، قال:

كنت أمشي معه وهو يحدث نفسه إذ وقف ثم قال: سأل قليلا فأعطي كثيرا ، وسأل كثيرا فأعطي قليلا ، فطعنه فأرداه فقتله ، ثم أقبل علي فقال: قتل عمرو بن سعيد الساعة ، ثم مضى ، فوجدوا ذلك اليوم الذي قتل فيه عمرو بن سعيد .

وله أشباه هذا يذكرونها والله أعلم ما هي ، وكان طويل الصمت قليل الكلام .

وكان الوليد بن عبد الملك قد كتب إلى عمر بن عبد العزيز إذ كان واليا على المدينة يأمره بجلده مائة سوط [وبحبسه ، فجلده عمر مائة سوط] ، وبرد له ماء في جرة ، ثم صبها عليه في غداة باردة ، فكن فمات فيها .

وكان عمر قد أخرجه من المسجد حين اشتد وجعه وندم على ما صنع ، فانتقله آل الزبير في دار من دورهم .

قال عمي مصعب: وأخبرني مصعب بن عثمان أنهم نقلوه إلى دار عمر بن مصعب بن الزبير ، واجتمعوا عنده حتى مات ، فبينا هم جلوس إذ جاءهم الماجشون استأذن عليهم وخبيب مسجى بثوبه ، وكان الماجشون يكون مع عمر بن عبد العزيز في ولايته على المدينة ، فقال عبد الله بن عروة: ائذنوا له ، فلما دخل قال: كان صاحبك في مرية من موته ، اكشفوا له عنه ، فكشفوا له عنه ، فلما رآه الماجشون انصرف . قال الماجشون: فانتهيت إلى دار مروان فقرعت الباب ، فدخلت فوجدت عمر كالمرأة الماخض قائما قاعدا ، فقال لي: ما وراءك؟ فقلت: مات الرجل ، فسقط إلى الأرض [ ص: 311 ] فزعا ، ثم رفع رأسه يسترجع ، فلم تزل تعرف فيه حتى مات ، فاستعفى من المدينة ، وامتنع من الولاية ، وكان يقال: إنك قد فعلت كذا فأبشر ، فيقول: فكيف بخبيب .

وحدثني عمي قال: حدثني هارون بن أبي عبيد الله بن عبد الله بن مصعب ، قال: سمعت أصحابنا يقولون: قسم فينا عمر بن عبد العزيز قسما في خلافته خصنا به ، فقال الناس: دية خبيب .

التالي السابق


الخدمات العلمية