الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

529 - سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة:

وكل من كان منسوبا إلى عائذ بن عمران فهو عائذي ، بالذال المعجمة . ومن نسب إلى عمرو بن مخزوم فهو عائدي بالدال المهملة . وقد يقال عائذي بالذال المعجمة نسبة إلى عائذ الله بن سعيد ، منهم حمزة العائذي ، وسعيد بن حنظلة العائذي ، وابن طلق العائذي . ويقال: عائذي نسبة إلى عائذ قريش ، منهم علي بن مسهر القاضي .

وقال أبو عبد الله الصوري: اجتمع في مخزوم عائد وعائذ ، وهما أبناء عم . فأما عائذ فهو ابن عمران بن مخزوم ، وأما عائد فهو ابن عمرو بن مخزوم ، وإذا جاء عمران فولده عايذ بالياء نقطتين من تحتها والذال المعجمة . وإذا جاء عمر ، فولده عابد بالباء واحدة ، والدال غير معجمة .

ويكنى سعيد أبا عبد الله ، ويقال: أبا عبد الملك . ويقال: أبا محمد . وجده حزن ، لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولد سعيد لسنتين خلتا من خلافة عمر ، وقال: أصلحت بين علي وعثمان ، وكان سعيد أفقه أهل الحجاز وأعبرهم للرؤيا .

أخبرنا ابن ناصر ، قال: أخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الملك الأسدي ، قال:

أنبأنا أبو الحسين بن رزمة ، قال: أخبرنا عمر بن محمد بن سيف ، قال: حدثنا أبو عبد الله اليزيدي ، قال: حدثنا أحمد بن زهير ، قال: سمعت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، يقول:

لما مات العبادلة - عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن الزبير - صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي ، فكان فقيه أهل مكة [ ص: 320 ] عطاء ابن أبي رباح ، وفقيه أهل اليمن طاووس ، وفقيه أهل اليمامة يحيى بن أبي كثير ، وفقيه أهل البصرة الحسن ، وفقيه [أهل] الشام المكحول ، وفقيه أهل خراسان عطاء الخراساني ، إلا المدينة فإن الله تعالى خصها بقرشي ، فكان فقيه أهل المدينة سعيد بن المسيب غير مدافع .

أخبرنا محمد بن طاهر ، قال: أخبرنا الجوهري ، قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه ، قال: أخبرنا أحمد بن معروف ، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم ، قال: حدثنا محمد بن سعد ، قال: أخبرنا محمد بن عمر ، قال: حدثنا قدامة بن موسى الجمحي ، قال: كان سعيد بن المسيب يفتي وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياء .

قال محمد بن سعد: وأخبرنا يزيد بن هارون ، والفضل بن دكين ، قالا: أخبرنا مسعر بن كدام ، عن سعد بن إبراهيم ، عن سعيد بن المسيب ، قال: ما بقي أحد أعلم بكل قضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر مني .

وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك ، عن عثمان الحزامي ، عن مالك بن أنس: أن سعيد بن المسيب ولد في زمان عمر بن الخطاب ، وكان احتلامه عند مقتل عثمان ، وكان يقال لسعيد: رواية عمر بن الخطاب ، وكان يتتبع أقضية عمر بن الخطاب يتعلمها ، وإن كان عبد الله بن عمر ليرسل إليه يسأله عن القضاء من أقضية عمر فيخبره .

قال الزبير: وحدثني أبو مصعب الزهري ، قال: حدثني المغيرة بن عبد الله الأخنسي ، عن رجل من أهل البصرة ، قال:

كان الحسن بن أبي الحسن لا يدع شيئا من فعله بقول أحد حتى يقول إن سعيد بن المسيب قد قال خلافه فيأخذ به ويدع قوله . [ ص: 321 ]

قال: وأخبرنا محمد بن عمر ، قال: أخبرنا حارثة بن أبي عمران أنه سمع محمد بن يحيى بن حيان يقول:

كان رأس من بالمدينة في دهره والمقدم عليهم في الفتوى سعيد بن المسيب ، ويقال: فقيه الفقهاء .

قال: وأخبرنا محمد بن عمر ، قال: أخبرنا ثور بن يزيد ، عن مكحول ، قال: سعيد بن المسيب عالم العلماء .

قال: وأخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي ، قال: حدثنا أبو المليح ، عن ميمون بن مهران ، قال: قدمت المدينة فسألت عن أفقه الفقهاء ، فدفعت إلى سعيد بن المسيب .

قال: وأخبرنا محمد بن عمر ، قال: حدثني هشام بن سعد ، قال: سمعت الزهري يقول: وسأله سائل عن من أخذ سعيد بن المسيب علمه ، قال: عن زيد بن ثابت ، وجالس سعد بن أبي وقاص ، وابن عباس ، وابن عمر ، ودخل على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وأم سلمة ، وكان قد سمع من عثمان وعلي وصهيب ومحمد بن مسلمة ، وجل روايته المسندة عن أبي هريرة ، وكان زوج ابنته .

قال: وأخبرني معن بن عيسى ، عن مالك ، قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول:

ما كان في المدينة عالم إلا يأتيني بعلمه وأوتي بما عند سعيد بن المسيب .

أخبرنا ابن ناصر ، قال: أخبرنا عبد المحسن بن محمد ، قال: أخبرنا عبد الملك بن عبد الله بن سكين الفقيه ، قال: أخبرنا أبيض بن محمد بن أبيض ، قال ، حدثنا عبد الرحمن النسائي ، قال: حدثني أبو عبد الله الأسباطي ، قال: لما نزل الماء في عين سعيد بن المسيب قيل له: اقدحها ، قال: فعلى من أفتحها . [ ص: 322 ]

قال مؤلف الكتاب رحمه الله: وابتلي سعيد بن المسيب بالضرب . وذلك أن عبد الله بن الزبير ولى جابر بن الأسود الزهري المدينة ، فدعا الناس إلى بيعة ابن الزبير ، فقال سعيد: لا حتى يجتمع الناس ، فضربه ستين سوطا ، فبلغ ذلك ابن الزبير ، فكتب إليه يلومه ويقول: ما لنا ولسعيد ، دعه .

وكان عبد الملك قد خطب بنت سعيد لابنه الوليد ، فأبى ، فاحتال على سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد ، وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف .

أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي ، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن هبة الله الطبري ، قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه ، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان ، قال: حدثنا زيد بن بشير الحضرمي ، قال:

حدثنا ضمام ، عن بعض أهل المدينة ، قال: لما كانت بيعة سليمان بن عبد الملك مع بيعة الوليد كره سعيد بن المسيب أن يبايع بيعتين ، فكتب صاحب المدينة إلى عبد الملك بن مروان يخبره أن سعيد بن المسيب كره أن يبايع لهما جميعا ، فكتب عبد الملك إلى صاحب المدينة . وما كان حاجتك إلى رفع هذا عن سعيد بن المسيب ، ما كنا نخاف منه ، فأما إذا ظهر ذلك وانتشر في الناس فادعه إلى ما دخل فيه من دخل في هذه البيعة ، فإن أبى فاجلده مائة سوط ، واحلق رأسه ولحيته ، وألبسه ثيابا من شعر ، وقفه على الناس في سوق المسلمين لئلا يجترئ علينا غيره .

فلما علم بعض من حضر من قريش سألوا الوالي أن لا يعجل عليه حتى يخوفه بالقتل فعسى أن يجيب ، فأرسلوا مولى له كان في الحرس ، قالوا: اذهب فأخفه بالقتل ، وأخبره أنه مقتول لعل ذلك يخيفه حتى يدخل فيما دخل فيه الناس . فجاءه مولاه وهو يصلي فبكى المولى ، فقال له سعيد: ما يبكيك؟ قال: يبكيني ما يراد بك ، قد جاء كتاب فيك إن لم تبايع قتلت ، فجئت لتطهر وتلبس ثيابا طاهرة ، وتفرغ من عهدك ، قال:

ويحك قد وجدتني أصلي ، فتراني كنت أصلي ولست بطاهر ، وثيابي غير طاهرة ، وأما ما ذكرت من العهد فإني أضل ممن أرسلك إن كنت بت ليلة ولم أفرغ من عهدي . [ ص: 323 ]

فانطلق ، فلما أتى الوالي دعوه فأبى أن يجيب ، فأمره بالتجريد ولبس ثيابا من شعر ، ثم جلده مائة سوط ، وحلق رأسه ولحيته ، ووقف فقال: لو كنت أعلم أنه ليس شيء إلا هذا ما نزعت ثيابي طائعا ، ولا أجبت إلى ذلك .

قال ضمام: فبلغني أن هشام بن إسماعيل كان إذا خطب الناس يوم الجمعة تحول إليه سعيد بن المسيب بوجهه ما دام يذكر الله -عز وجل- حتى إذا رفع يذكر عبد الملك ويمدحه ويقول فيه ما يقول أعرض عنه سعيد بوجهه ، فلما فطن له هشام أمر حرسيا أن يخصب وجهه إذا تحول عنه ، ففعل ذلك به ، فقال سعيد لهشام وأشار بيده إليه: هي ثلاث نحل . فما مر به إلا ثلاثة أشهر حتى عزل هشام .

ومعنى نحل: حسب .

[أنبأنا الحسين بن عبد الوهاب ، قال: أخبرنا ابن المسلمة ، قال:] أخبرنا المخلص ، قال: أخبرنا سليمان بن داود ، قال: أخبرنا الزبير بن بكار ، قال: حدثني عمي مصعب بن عبد الله ، قال:

كان سعيد بن المسيب لا يقبل بوجهه على هشام بن إسماعيل إذا خطب يوم الجمعة ، فأمر به هشام بعض أعوانه يعطفه عليه إذا خطب فأهوى العون يعطفه فأبى عليه فأخذه حتى عطفه ، فصاح سعيد ، يا هشام إنما [هي] أربع بعد أربع . فلما انصرف هشام قال: ويحكم جن سعيد ، فسئل سعيد: أي شيء أربع بعد أربع ، سمعت في ذلك شيئا؟ قال: لا ، فقيل: ما أردت بقولك؟ قال: إن جاريتي لما أردت المسجد ، قالت لي: إني رأيت هذه الليلة رؤيا فلا تخرج حتى أقصها عليك وتعبرها لي ، رأيت كأن موسى غطس عبد الملك في البحر ثلاث غطسات ، فمات في الثالثة ، فأولت أن عبد الملك مات ، وذلك أن موسى بعث على الجبارين بقتلهم ، وعبد الملك جبار هذه الأمة . قال: فلم قلت أربع بعد أربع؟ قال: مسافة مسير الرسول من دمشق إلى المدينة بالخبر . فمكثوا ثماني ليال ثم جاء رسول بموت عبد الملك . [ ص: 324 ]

تزويج بنت سعيد

أخبرنا المحمدان ابن ناصر ، وابن عبد الباقي ، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد ، قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الحافظ قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن عثمان ، قال: أخبرنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث ، قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب ، عن عطاء وابن خالد ، عن ابن حرملة ، عن ابن أبي وداعة ، قال:

كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياما ، فلما جئته ، قال: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها ، قال: ألا أخبرتنا فشهدناها . قال: ثم أردت أن أقوم فقال: هل استحدثت امرأة؟ فقلت: يرحمك الله ، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة ، فقال: أنا ، فقلت: أو تفعل؟ نعم ، ثم حمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وزوجني على درهمين أو ثلاثة . قال: فقمت وما أدري [ما أصنع] من الفرح ، فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر ممن آخذ؟ وممن أستدين؟ فصليت المغرب ، وكنت وحدي ، وقدمت عشائي أفطر خبزا وزيتا ، فإذا الباب يقرع ، فقلت: من هذا؟ قال: سعيد ، قال: فأفكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب ، فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد ، فقمت فخرجت ، فإذا سعيد بن المسيب ، فإنه قد بدا له ، فقلت: يا أبا محمد ألا أرسلت إلي فآتيك ، قال: لا ، أنت أحق أن تؤتى ، قلت: فما تأمر؟ قال: إنك كنت رجلا عزبا تزوجت فكرهت أن أبيتك الليلة وحدك ، وهذه امرأتك [قال:] فإذا هي قائمة من خلفه في طوله ، ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب ورد الباب ، فسقطت المرأة من الحياء ، فاستوثقت من الباب ثم تقدمتها إلى القصعة التي فيها الزيت والخبز ، فوضعتها في ظل السراج لكيلا تراه ، ثم صعدت إلى السطح فرميت الجيران [ ص: 325 ] فجاءوني ، فقالوا: ما شأنك؟ قلت: ويحكم ، زوجني سعيد بن المسيب بنته اليوم وقد جاء بها على غفلة ، فقالوا: سعيد بن المسيب زوجك؟ قلت: نعم . وهو ذا هي في الدار . قال: ونزلوا هم إليها ، وبلغ أمي فجاءت وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام .

قال: فأقمت ثلاثا ثم دخلت بها ، فإذا هي من أجمل الناس ، وإذا هي أحفظ الناس لكتاب الله -عز وجل- وأعلمهم بسنة رسوله ، وأعرفهم بحق زوج . قال: فمكثت شهرا لا يأتيني سعيد ولا آتيه ، فلما كان قرب الشهر أتيت سعيدا وهو في حلقته ، فسلمت عليه ، فرد علي السلام ولم يكلمني حتى تفرق أهل المجلس ، فلم يبق غيري ، قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت: خيرا يا أبا محمد على ما يحب الصديق ويكره العدو ، فقال: إن رابك شيء فالعصا . فانصرفت إلى منزلي ، فوجه إلي بعشرين ألف درهم . قال عبد الله بن سليمان: وكانت بنت سعيد بن المسيب خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد حين ولاه العهد ، فأبى سعيد أن يزوجه ، فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد ، وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف .

قال عبد الله: وابن أبي وداعة هو كثير بن المطلب بن أبي وداعة .

قال مؤلف الكتاب: وكان لكثير هذا ولد يقال له كثير أيضا . روى الحديث ، وكان شاعرا ولم يكن له عقب . فأما أبو وداعة فاسمه الحارث بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم . كان قد شهد بدرا مع المشركين فأسر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تمسكوا به فإن له ابنا كيسا بمكة . فخرج المطلب ففداه بأربعة آلاف درهم . وهو أول أسير فدي ، فشخص الناس بعده ففدوا أسراهم ، وكان أبوه صبيرة قد جاز الأربعين سنة بقليل ثم مات .

أنبأنا الحسين بن عبد الوهاب ، قال: أخبرنا ابن المسلمة ، قال: أخبرنا [ ص: 326 ] المخلص ، قال: حدثنا سليمان بن داود ، قال: حدثنا الزبير بن بكار ، قال: حدثني علي بن صالح ، عن عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير:

أن الناس مكثوا زمانا ومن جاز من قريش في السن أربعين سنة عمر ، فجازها صبيرة بن سعيد بيسير ، ثم مات فجأة ، ففزع لذلك الناس ، فناحت عليه الجن ، فقالت:


من يأمن الحدثان بعد صبيرة القرشي ماتا     عجلت منيته المشيب
فكان منيته افتلاتا

وفي رواية أن شاعرا قال:


حجاج بيت الله إن     صبيرة القرشي ماتا
سبقت منيته المشيب     كأن ميتته افتلاتا
فتزودوا لا تهلكوا من     دون أهلكم خفاتا

قال مؤلف الكتاب رحمه الله: ثم إن أبا وداعة أسلم يوم الفتح وبقي إلى خلافة عمر ، وأسلم ابنه المطلب يوم الفتح أيضا .

توفي سعيد بالمدينة في هذه السنة وهو ابن أربع وثمانين سنة .

التالي السابق


الخدمات العلمية