الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
454 - ما أنا محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا الحسن بن الجهم قال ثنا الحسين بن الفرج قال ثنا محمد بن عمر :

أن عبد الله ذا البجادين من مزينة كان يتيما لا مال له ، ثم مات أبوه فلم [ ص: 525 ] يورثه شيئا ، وكان عمه ميلا فأخذه وكفله حتى قد كان أيسر ، وكانت له إبل وغنم ورقيق ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعلت نفسه تتوق إلى الإسلام ، ولا يقدر عليه من عمه ، حتى مضت السنون والمشاهد كلها ، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فتح مكة راجعا إلى المدينة ، فقال عبد الله ذو البجادين لعمه : يا عم إني قد انتظرت إسلامك ، فلا أراك تريد محمدا ، فأذن لي في الإسلام ، فقال : والله لئن اتبعت محمدا لا أترك بيدك شيئا كنت أعطيتك إلا نزعته منك ، قال عبد العزى - وهو اسمه يومئذ - فأنا والله متبع محمدا ، وتارك عبادة الحجر ، هذا ما بيدي فخذه ، فأخذ كل ما كان أعطاه حتى جرده من إزاره ، فأتى أمه فأعطته بجادا لها فشق بجاده باثنين فائتزر بواحد ، واتشح بالآخر ، ثم أقبل المدينة ، فاضطجع في المسجد في السحر ، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جعل يتصفح الناس لما انصرف من صلاة الصبح ، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من أنت ؟ قال : أنا عبد العزى ، قال : أنت عبد الله ذو البجادين ، ثم قال : انزل مني قريبا ، فكان يكون من أضيافه صلى الله عليه وسلم ويعلمه القرآن ، حتى قرأ قرآنا كثيرا ، والناس يتجهزون إلى تبوك ، وكان رجلا صيتا ، وكان يقوم في المسجد فيرفع صوته بالقراءة ، فقال عمر : يا رسول الله ألا تسمع إلى صوت هذا الأعرابي ، يرفع صوته بالقرآن ، قد منع الناس القراءة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه يا عمر فإنه خرج مهاجرا إلى الله ورسوله .

فلما خرجوا إلى تبوك قال : يا رسول الله ادع لي بالشهادة ، فقال : أبغني لحاء شجرة ، فأبغاه لحاء شجرة ، فربطها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عضده [ ص: 526 ] وقال : اللهم إني أحرم دمه على الكفار ، فقال : يا رسول الله ليس هذا أردت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك إذا خرجت غازيا في سبيل الله فأخذتك حمى فقتلتك ، فأنت شهيد ، أو وقصتك دابتك فأنت شهيد لا تبال بأيته كان ، فلما نزلوا تبوك أقاموا بها أياما ، ثم توفي عبد الله ذو البجادين ؟

وكان بلال بن الحارث المزني يقول : فحضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع بلال المؤذن شعلة نار عند القبر ، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر ، وأبو بكر وعمر يدليانه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : أدليا إلي أخاكما ، فلما هيأه لشقه في اللحد قال : اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه ، قال ، فقال ابن مسعود : يا ليتني كنت صاحب اللحد .


التالي السابق


الخدمات العلمية