الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 306 ] 227 - حدثنا سليمان بن أحمد بن محمد بن عمرو بن خالد قال ثنا أبي قال ثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال : لما حضر الموسم حج نفر من الأنصار من بني مالك بن النجار ، منهم : معاذ بن عفراء ، وأسعد بن زرارة ، ومن بني زريق : رافع بن مالك وذكوان بن عبد قيس ، ومن بني غنم بن عوف : عبادة بن الصامت ، وأبو عبد الرحمن بن ثعلبة ، ومن بني عبد الأشهل : أبو الهيثم بن التيهان ، ومن بني عمرو بن عوف : عويم بن ساعدة ، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرهم خبره والذي اصطفاه الله عز وجل له من نبوته وكرامته ، وقرأ عليهم القرآن ، فلما سمعوا قوله أيقنوا واطمأنوا إلى دعوته ، وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب من ذكرهم إياه بصفته وما يدعوهم إليه ، فصدقوا وآمنوا به ، وكانوا من أسباب الخير ، قالوا له : قد علمت الذي بين الأوس والخزرج من الدماء ، ونحن ثم نحب ما أن نشد به أمرك ، ونحن لله ولك مجتهدون ، وإنا نشير عليك بما نرى ، فامكث على اسم الله حتى نرجع إلى قومنا ، فنخبرهم بشأنك ، وندعوهم إلى الله ورسوله ، فلعل الله أن يصلح بيننا ، ويجمع أمرنا ، فإنا اليوم متباعدون متباغضون ، فإن تقدم علينا ولم نصطلح لم يكن لنا جماعة عليك ، ولكن نواعدك الموسم من العام المقبل ، فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قالوا ، فرجعوا إلى قومهم ، فدعوهم سرا ، وأخبروهم [ ص: 307 ] برسول الله صلى الله عليه وسلم والذي بعثه الله به ، ودعاهم إليه بالقرآن ، حتى قل دار من دورهم إلا أسلم فيها ناس لا محالة .

ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا رجلا من قبلك فيدعو الناس بكتاب الله ، فإنه أدنى أن يتبع ، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار ، فنزل في بني غنم على أسعد بن زرارة ، فجعل يدعو الناس سرا ، فيفشو الإسلام ويكثر أهله وهم في ذلك مستخفون بدعائهم ، ثم إن أسعد بن زرارة أقبل هو ومصعب بن عمير ، حتى أتيا بئر مرق أو قريبا منها فجلسا هناك ، وبعثا إلى رهط من أهل الأرض فأتوهم مستخفين ، فبينا مصعب بن عمير يحدثهم ويقص عليهم ، أخبر بهم سعد بن معاذ ، فأتاهم في لأمته معه الرمح ، حتى وقف عليهم ، فقال علام تأتينا في دورنا بهذا الوحيد الفريد الطريح الغريب ، يسفه ضعفاءنا بالباطل ، ويدعوكم إليه ، ولا أراكم بعدها بشيء من جوارنا ، فرجعوا ، ثم إنهم عادوا الثانية لبئر مرق أو قريبا منها ، فأخبر بهم سعد بن معاذ ، فتواعدهم توعدا دون الوعيد الأول .

فلما رأى أسعد بن زرارة منه لينا قال : يا ابن خالة اسمع من قوله ، فإن سمعت منكرا فاردده بأهدى منه ، وإن سمعت حقا فأجب إليه ، فقال : ماذا يقول ؟ فقرأ عليه مصعب بن عمير : حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون فقال سعد بن معاذ : ما أسمع إلا ما أعرف ، [ ص: 308 ] فرجع قد هداه الله تعالى ، ولم يظهر لهم الإسلام حتى رجع إلى قومه ، فدعا بني عبد الأشهل إلى الإسلام ، وأظهر إسلامه ، وقال : من شك فيه من صغير أو كبير أو أنثى أو ذكر فليأتنا بأهدى منه نأخذ به ، فوالله لقد جاء أمر لتحزن فيه الرقاب ، فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلام سعد بن معاذ ودعائه ، إلا من لم يذكر ، فكانت أول دور من دور الأنصار أسلمت بأسرهم ، ثم إن بني النجار أخرجوا مصعب بن عمير ، واشتدوا على أسعد بن زرارة ، فانتقل مصعب بن عمير إلى سعد بن معاذ ، فلم يزل عنده يدعو ، ويهدي الله على يديه ، حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس لا محالة ، وأسلم أشرافهم ، وأسلم عمرو بن الجموح ، وكسرت أصنامهم ، وكانت المسلمون أعز أهلها ، وصلح أمرهم ، ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يدعى المقرئ ، ثم حج العام المقبل منهم سبعون رجلا من الأنصار ، منهم أربعون رجلا من ذوي أسنانهم وأشرافهم ، وثلاثون شابا ، وأصغرهم عقبة بن عمرو ، وأبو مسعود ، وجابر بن عبد الله ، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب ، فلما حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي خصه الله عز وجل به من النبوة والكرامة ، ودعاهم إلى الإسلام وإلى أن يبايعوه ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم ، أجابوا وصدقوا ، وقالوا : اشترط لربك ولنفسك ما شئت ، قال : " أشترط لربي أن لا تشركوا به شيئا ، وأن تعبدوه ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " ، فلما طابت أنفسهم بذلك الشرط ، اشترط له العباس وأخذ عليهم المواثيق لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعظم الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ، وكان أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم العقبة أبو الهيثم بن [ ص: 309 ] التيهان ، وقال يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالا - والحبال الحلف والمواثيق - فلعلنا نقطعها ، ثم ترجع إلى قومك ، وقد قطعنا الحبال وحاربنا الناس فيك ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وقال : " الدم الدم ، والهدم والهدم " فلما رضي أبو الهيثم بما رجع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله ، أقبل على قومه فقال : يا قوم هذا رسول الله حقا ، أشهد بالله أنه لصادق ، وإنه اليوم في حرم الله وأمنه بين ظهري قومه وعشيرته ، فاعلموا أنكم أن تخرجوه ترمكم العرب عن قوس واحدة ، فإن كانت طابت أنفسكم بالقتال في سبيل الله وذهاب الأموال والأولاد فادعوه إلى أرضكم ، فإنه رسول الله حقا ، وإن خفتم خذلانه فمن الآن ، فقال عبد الله : قبلنا عن الله وعن رسول الله ، فخل بيننا يا أبا الهيثم وبين رسول الله فلنبايعه ، فقال أبو الهيثم : فأنا أول من يبايع ، ثم تتابعوا كلهم وصاح الشيطان من رأس الجبل : يا معشر قريش ، هذه بنو الأوس والخزرج تحالف على قتالكم ، ففزعوا عند ذلك وراعهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يرعكم هذا الصوت ، فإنما هو عدو الله إبليس ، ليس يسمعه أحد ممن تخافون " ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرخ بالشيطان فقال : " يا ابن أزب ، أهذا عملك ؟ سأفرغ لك " .

وبلغ قريشا الحديث فأقبلوا حتى إنهم ليتوطؤون على رحل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما يبصرونهم ، فرجعت قريش ، وقال العباس بن عبادة بن نضلة أخو بني سالم : يا رسول الله إن شئت - والذي أكرمك - ملنا على أهل منى بأسيافنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم أومر بذلك ، وكان هؤلاء النفر اتفقوا على مرضاة الله ، وأوفوا بالشرط من أنفسهم بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 310 ] ، ثم صدروا رابحين راشدين إلى بلادهم ، وجعل الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ملجأ وأنصارا ودار هجرة .

التالي السابق


الخدمات العلمية