الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
" ما يؤثر عنه في القرعة ، والعتق ، والولاء ، والكتابة "

وفيما أنبأني أبو عبد الله الحافظ (إجازة ) : عن أبي العباس الأصم ، عن الربيع ، عن الشافعي (رحمه الله ) ، قال : " قال الله تبارك وتعالى : ( وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ) ؛ وقال تعالى : ( وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين ) ".

" فأصل القرعة - في كتاب الله عز وجل - : في قصة المقترعين [على مريم ] ، والمقارعين يونس (عليه السلام ) : مجتمعة ".

[ ص: 158 ] " ولا تكون القرعة (والله أعلم ) إلا بين القوم : مستوين في الحجة ".

" ولا يعدو (والله أعلم ) المقترعون على مريم (عليها السلام ) ، أن يكونوا : كانوا سواء في كفالتها ؛ فتنافسوها : لما كان : أن تكون عند واحد ، أرفق بها . لأنها لو صيرت عند كل واحد يوما أو أكثر ، وعند غيره مثل ذلك - : أشبه أن يكون أضر بها ؛ من قبل : أن الكافل إذا كان واحدا : كان أعطف له عليها ، وأعلم [ ص: 159 ] [له ] بما فيه مصلحتها - : للعلم : بأخلاقها ، وما تقبل ، وما ترد ؛ و [ما ] يحسن [به ] اغتذاؤها . - وكل من اعتنف كفالتها ، كفلها : غير خابر بما يصلحها ؛ ولعله لا يقع على صلاحها : حتى تصير إلى غيره ؛ فيعتنف : من كفالتها ؛ [ما اعتنف ] غيره ".

" وله وجه آخر : يصح ؛ وذلك : أن ولاية واحد إذا كانت صبية : غير ممتنعة مما يمتنع منه من عقل - : يستر ما ينبغي ستره . - : كان أكرم لها ، وأستر عليها : أن يكفلها واحد ، دون الجماعة ".

" ويجوز : أن تكون عند كافل ، ويغرم من بقي مؤنتها : بالحصص . كما تكون الصبية عند خالتها ، وعند أمها : ومؤنتها : على من عليه مؤنتها ".

[ ص: 160 ] " قال : ولا يعدو الذين اقترعوا على كفالة مريم (عليها [السلام ] ) : أن يكونوا تشاحوا على كفالتها - فهو : أشبه والله أعلم - أو : يكونوا تدافعوا كفالتها ؛ فاقترعوا : أيهم تلزمه ؟ . فإذا رضي من شح على كفالتها ، أن يمونها - : لم يكلف غيره أن يعطيه : من مؤنتها ؛ شيئا . برضاه : بالتطوع بإخراج ذلك من ماله ".

" قال : وأي المعنيين كان : فالقرعة تلزم أحدهم ما يدفعه عن نفسه ؛ أو تخلص له ما ترغب فيه نفسه ؛ وتقطع ذلك عن غيره : ممن هو في مثل حاله ".

" وهكذا [معنى ] قرعة يونس (عليه السلام ) : لما وقفت بهم السفينة ، فقالوا : ما يمنعها أن تجري إلا : علة بها ؛ وما علتها إلا : ذو ذنب [ ص: 161 ] فيها ؛ فتعالوا : نقترع . فاقترعوا : فوقعت القرعة على يونس (عليه السلام ) : فأخرجوه منها ، وأقاموا فيها ".

" وهذا : مثل معنى القرعة في الذين اقترعوا على كفالة مريم (عليها السلام )؛ لأن حالة الركبان كانت مستوية ؛ وإن لم يكن في هذا حكم : يلزم أحدهم في ماله ، شيئا : لم يلزمه قبل القرعة ؛ ويزيل عن أحد شيئا : كان يلزمه - : فهو يثبت على بعض الحق ، ويبين في بعض : أنه بريء منه . كما كان في الذين اقترعوا على كفالة مريم (عليها السلام ) : غرم ، وسقوط غرم "

" قال : وقرعة النبي (صلى الله عليه وسلم ) - في كل موضع أقرع فيه - : [في ] مثل معنى الذين اقترعوا على كفالةمريم (عليها السلام ) ، سواء : لا يخالفه ".

" وذلك : أنه (عليه السلام ) أقرع بين مماليك : أعتقوا معا ؛ فجعل العتق : تاما لثلثهم ؛ وأسقط عن ثلثيهم : بالقرعة . وذلك : أن المعتق [ ص: 162 ] - في مرضه - أعتق ماله ومال غيره : فجاز عتقه في ماله ، ولم يجز في مال غيره . فجمع النبي (صلى الله عليه وسلم ) العتق : في ثلاثة ؛ ولم يبعضه . كما يجمع : في القسم بين أهل المواريث ؛ ولا يبعض عليهم ".

" وكذلك : كان إقراعه لنسائه : أن يقسم لكل واحدة منهن : في الحضر ؛ فلما كان في السفر : كان منزلة : يضيق فيها الخروج بكلهن ؛ فأقرع بينهن : فأيتهن خرج سهمها : خرج بها ، وسقط حق غيرها : في غيبته بها ؛ فإذا حضر : عاد للقسم لغيرها ، ولم يحسب عليها [ ص: 163 ] أيام سفرها ".

" وكذلك : قسم خيبر : [فكان ] أربعة أخماسها لمن حضر ؛ ثم أقرع : فأيهم خرج سهمه على جزء مجتمع - : كان له بكماله ، وانقطع منه حق غيره ؛ وانقطع حقه عن غيره ". .

* * *

التالي السابق


الخدمات العلمية